الصفحة 153 من 317

في سائر العرب إلا مظهر للإسلام ولله الحمد والمنة) [1] . وقد روى البخاري في صحيحه: (إن العرب كانت تلوم [2] بإسلامهم الفتح فيقولون اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم) [3] ، قلت ولولا الجهاد لما ظهر عليهم عليه السلام فإنه كان بمكة فترة من الوقت يتلو عليهم الآيات من الله ويرون معجزاته كانشقاق القمر والإسراء ولم يبادروا بإسلامهم لا هم ولا أحياء العرب المجاورة ولكن لما صارت الآيات والحجج مقرونة بسيف يخطف رأس المعاند انقادوا كلهم وخضعوا للحق. فهل يتبصر تلاميذ المستشرقين لهذا الأمر العظيم أم على قلوب أقفالها.

15 -ومما يدل على تأثير الجهاد في نشر الإسلام قصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع أهل الردة. فقد ارتد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أغلب العرب ما عدا أهل المسجدين مكة والمدينة [4] . فعقد أبو بكر رضي الله عنه العزم على حربهم جميعًا ولو كان وحده، واستجاب له صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي خلال سنتين نشر الإسلام على كامل جزيرة العرب يقول ابن كثير عند ذكر حوادث سنة اثنتي عشرة من الهجرة النبوية:"استهلت هذه السنة وجيوش الصديق وأمراؤه الذين بعثهم لقتال أهل الردة، جوالون في البلاد يمينًا وشمالًا لتمهيد قواعد الإسلام وقتال الطغاة من الأنام حتى رد شارد الدين بعد ذهابه ورجع الحق إلى نصابه وتمهدت جزيرة العرب وصار البعيد الأقصى كالقريب الأدنى" [5] .

16 -ومن له أدنى معرفة بالتاريخ الإسلامي يرى أن الإسلام وأهله يعزون بالجهاد وتعلو كلمتهم وينتشر دينهم ويهانون وتنخفض كلمتهم إذا تركوا الجهاد، ومن أكبر الأدلة على ذلك سقوط بغداد في أيدي التتار فقد ضعفت الخلافة في بغداد وانشغل الخلفاء بجمع الأموال والشهوات حتى وصل السخف بآخر خليفة سقط في بغداد أنه والجيوش محيطة بعاصمته والقتل جار في المسلمين قد جعل أمامه جارية تسمى عرفة ترقص وتضحكه ولم ينتبه من غفلته حتى أصاب الجارية سهم فقتلها [6] وقد سلط على المسلمين أخبث الوزراء وهو الوزير ابن العلقمي الرافضي وجعل الحل والعقد في يده وقد اجتهد هذا الوزير المنافق في إضعاف جيوش المسلمين وصرفها عن الجهاد حتى أصابهم ما أصابهم، يقول ابن كثير: (وكان الوزير ابن العلقمي قبل هذه الحادثة(يقصد حادثة سقوط بغداد) يجتهد في صرف الجيوش وإسقاط اسمهم من الديوان فكانت العساكر في آخر أيام المستنصر قريبًا من مائة ألف مقاتل منهم من الأمراء من هو كالملوك الأكابر الأكاسر فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف ثم كاتب التتار وأطعمهم في أخذ البلاد وسهل عليهم ذلك وحكى لهم حقيقة الحال وكشف لهم ضعف الرجال وذلك كله طمعًا منه أن يزيل السنة بالكلية وأن يظهر البدعة الرافضة وأن يقيم خليفة من

(1) تفسير ابن كثير 8/ 521.

(2) تلوم: تنتظر.

(3) صحيح البخاري مع الفتح 8/ 18.

(4) انظر البداية لابن كثير 6/ 312.

(5) البداية والنهاية لابن كثير 6/ 342.

(6) البداية لابن كثير 12/ 200.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت