الجهاد وأهدافه ولو فهموا الهدف من الجهاد كما فهمه علماء المسلمين وكما انعقد عليه الإجماع لما وقعوا فيما وقعوا فيه.
11 -ذكرنا فيما سبق أن أهداف الجهاد إزالة الطواغيت وتحطيم الأنظمة الفاسدة التي تصرف الناس عن اتباع الحق ولا شك أن رفع هذه العوائق وسيلة كبرى لانتشار الإسلام ولولا الجهاد لم ترتفع لأن الطواغيت لهم قوة مادية فلا يزيلها إلا قوة مادية"لا يفل الحديد إلا الحديد".
12 -إن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم ومن سار على نهجهم امتشقوا الحسام لدعوة الناس إلى الإسلام فإن امتنعوا عنه أو عن الجزية قاتلوهم كما تقدم في حديث بريدة الذي رواه مسلم في صحيحه وظهر من الغزوات أن الكفار لا يسلمون بمجرد إبلاغ الدعوة لهم وإنما يحملهم على الإسلام غالبًا الخوف من المسلمين فإذا دخلوا في الإسلام وطبقت عليهم أحكامه العادلة فمنهم من يزداد يقينًا وتصديقًا ويحسن إسلامه ومنهم من يبقى على شكه وذبذبته حتى يهلكه الله وهذا يدل على عظيم أثر الجهاد في نشر الإسلام وإعلاء كلمة الله وهيمنة الحق على الناس.
13 -إن الواقع التاريخي لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم يكذب المستغربين وأساتذتهم. يقول ابن حزم عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (وأقام بمكة ثلاثة عشرة سنة لم يستجب له فيها إلا أقل من مائة [1] (يقصد ابن حزم من أهل مكة) وهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومكث إلى غزوة أحد ولم يزد عدد المسلمين عن ألف وخمسمائة رجل كما جاء في صحيح البخاري عن حذيفة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم:"اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس فكتبنا له ألفًا وخمسمائة رجل فقلنا تخاف ونحن ألف وخمسمائة فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف" [2] .
قلت فلما كثرت غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته انتشر الإسلام انتشارًا بالغًا في سنوات قليلة حتى كان قوام جيشه عليه الصلاة والسلام في غزوة تبوك ثلاثين ألفًا وحج معه في حجة الوداع ما بين مائة ألف إلى مائة وثلاثين ألفًا [3] والذين لم يحجوا لم يعرف عددهم ولا شك أن هذا الانتشار بسبب الجهاد بعد مشيئة الله عز وجل وقد صدق القائل:
دعا المصطفى دهرًا بمكة لم يجب ... وقد لان منه جانب وطاب ...
فلما دعا والسيف صلت بكفه ... له أسلموا واستسلموا وأنابوا
14 -ومما يدل على أهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية قوله تعالى: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) ، يقول ابن كثير عند تفسير هذه السورة: (المراد بالفتح هنا مكة قولًا واحدًا فإن أحياء العرب كانت تتلوم بإسلامها فتح مكة يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي فلما فتح الله مكة دخلوا في دين الله أفواجًا فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانًا ولم يبق
(1) خلاصة في أصول الإسلام وتاريخه لابن حزم ص12.
(2) صحيح البخاري مع الفتح 6/ 124.
(3) انظر حجة الوداع لمحمد الكاندهلوي ص26.