(ومما لا شك فيه أن تحقيق هذا الانتشار يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء في معنوياتهم ومادياتهم وسلاحهم حتى يستطيعوا أن يتغلبوا على قوى الكفر والطغيان) .
6 -إن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتبر ترك الجهاد ذلاّ والذليل لا ينشر معتقده وإنما ينشره العزيز وهذا يستلزم أنه لا ينشر الإسلام إلا بالجهاد قال صلى الله عليه وسلم:"لئن تركتم الجهاد وأخذتم بأذناب البقر وتبايعتم بالعينة ليلزمنكم الله مذلة في رقابكم لا تنفك عنكم حتى تتوبوا إلى الله وترجعوا على ما كنتم عليه" [1] . والنفس البشرية تحب العز وتأنف الذل فإذا رأى الناس ما فيه المسلمون من عز دخلوا في الإسلام. والعز لا يكون بغير جهاد غالبًا وبهذا يكون الجهاد سببًا لانتشار الإسلام وتركه سببًا لانحساره.
7 -إن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بانحسار الإسلام لا بانتشاره إذا خفنا من الموت في سبيل الله وأخبرنا أن الأمم تتداعى علينا ونحن نكره جهادهم وهذا بعكس كلام أبناء المستشرقين الذين يقولون إن الإسلام ينتشر بالدعوة السلمية فقط لا الدعوة المقرونة بالسيف.
قال صلى الله عليه وسلم:"يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها قال: قلنا: يا رسول الله أمن قلة بنا محمد يومئذ قال: أنتم يومئذ كثير ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل ينتزع المهاية من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن قال: قلنا: وما الوهن قال: حب الحياة وكراهية الموت" [2] .
8 -روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه: كنتم خير أمة أخرجت للناس قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام [3] وهذا التفسير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما قرره ابن حجر في الفتح فهل يؤتى بالناس في السلاسل من غير جهاد.
9 -إن الصحابة رضوان الله عليهم قد صرحوا بأن المقصود من جهادهم هو نشر الإسلام كما تقدم في مبحث أهداف الجهاد عن المغيرة بن شعبة وربعي بن عامر رضي الله عنهما فإنهما قد بينا للفرس ما الذي جاء بهم من جزيرة العرب إلى بلاد الفرس وهو إعلاء كلمة الله وإخراج الناس من العبودية للعباد إلى العبودية للواحد القهار وكذلك فعل عقبة بن نافع رضي الله عنه فإنه لما بلغ طنجة أوطأ فرسه الماء حتى بلغ الماء صدرها وقال اللهم أشهد أني قد بلغت المجهود ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بك حتى لا يعبد أحد من دونك [4] .
10 -قد بينا في مبحث أهداف الجهاد بالأدلة القاطعة بأن الهدف الأسمى من تشريع الجهاد في الإسلام هو إعلاء كلمة الله وإذلال الكفر وأهله بينما يرى تلاميذ المستشرقين أن الهدف من الجهاد هو رد العدوان -وسيأتي الرد عليهم في موضعه إن شاء الله- ولكن أريد أن أوضح هنا أن الذي حمل تلاميذ المستشرقين على اعتبار انتشار الإسلام بالجهاد تهمة ينبغي أن تدفع هو انحرافهم الفكري في مفهوم
(1) مسند أحمد 2/ 42.
(2) مسند أحمد 5/ 278.
(3) صحيح البخاري مع الفتح 8/ 169.
(4) انظر حركة الفتح الإسلامي لشكري فيصل ص168.