فلما سمعت منه هذا الكلام المنور بادرت فقرأت عليه الفاتحة وصدرا من سورة البقرة فسمعت منه في بيان ذلك التفريع ما بهرني، ثم أعدت القراءة وقرأت بسبع روايات: قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو بن العلاء البصري وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي فسمعت في ذلك العجب العجاب، ورأيت القراءات السبع تختلف باختلاف الأنوار الباطنية، فظهر لي والحمد لله وله المنة ما كنت أطلبه منذ نيف وعشرين سنة في معنى الحديث، وقد طلبه قبلي الحافظ ابن الجوزي نيفا وثلاثين سنة فظهر له وجه في معنى الحديث، ثم ذكر أنه وقف عليه لغيره، وقد بسط ذلك الوجه صاحب الإنتصار المتقدم ولكنه قاصر على التلفظات واختلافها من غير تعرض لهذه الأنوار الباطنية التي أوجبت اختلاف التلفظات. وبالجملة فذلك الوجه وغيره مما قيل في الحديث إنما تعلقوا فيها بظل الشجرة، وهذا الوجه الذي سمعه شيخنا رضي الله عنه من صاحب الوحي صلى الله عليه وسلم فيه ذكر الشجرة بعروقها وأصولها وفروعها وجميع ما ينشأ عنها.
قال رضي الله عنه: ولو أردت أن أملي فيه مقدار سبع كراريس لفعلت، ولكن منع منه المانع السابق. فقلت وكنت سمعت منه في بيان التفريع إن في الآية شيئا من أجزاء النبوة مثلا وشيئا من أجزاء الرسالة وهكذا حتى يأتي على الحروف السبعة: لا بد أن تشرح لنا المراد بأجزاء هذه الحروف السبعة، ثم تبين لنا وجه تفريع الحروف عليها لتتم الفائدة.
فقال رضي الله عنه: لكل حرف من هذه الحروف السبعة سبعة أجزاء، فللآدمية سبعة، وللنبوة سبعة، وللرسالة سبعة، وللروح سبعة، وللقبض سبعة، وللبسط سبعة، وللعلم سبعة، فمجموع ذلك تسعة وأربعون.
أما الآدمية: فالأول من أجزائها كمال حسن خلق الصورة الظاهرة على أبدع وجه وأحسنه في وجهها ويديها ورجليها وأصابعها وسائر أجزائها، وجميع ما يبدو منها مثل البياض في حسنه وصفائه ونحو ذلك.