وأما النعم فلا يكون تشوفه إليها إلا على طريقة التحبب إلى ربه والتودد إليه، والإقرار بأنها منه سبحانه وتعالى، فلا ينظر إليها إلا بهذه العين، وأما قبلها فهو مع سيده وخالقه، حتى لو فرضنا فقدان تلك النعمة أو عدم وجودها أصلا فإن القلب يبقى على ما هو عليه من التوجه إلى سيده، والإستغراق في بحار توحيده وأسرار ألوهيته، فلا يشغله وجود نعمة ولا زوالها عن المنعم سبحانه وتعالى.
ولذا سمعت الشيخ رضي الله عنه يقول: إذا حصل للولي مراده من الحق سبحانه وتعالى فلا يبالي أين ينزله الحق سبحانه وتعالى.
ثم ضرب مثلا بدودة متشوفة لأكل العسل بجميع عروقها وأجزائها، فإذا جعلت هذه الدودة في خابية عسل واتصلت بمطلوبها وجعلت تأكل ليلها ونهارها منه، فإذا جعلت هذه الخابية التي فيها العسل والدودة في خابية أخرى أكبر منها مملوءة بالقطران، فإن الدودة لا تبالي بذلك ولا يقع في قلبها غير عسلها ولا يتكدر عليها مشروبها برائحة قطران ولا بغيره، لأن ذاتها وكليتها متشوفة إلى العسل منقطعة عن غيره، فلا تتشوف للقطران فضلا عن أن تتكدر به، والله أعلم.
الباب الثاني عشر
وبعض ما سمعناه من الشيخ رضي الله عنه
سمعته رضي الله عنه يقول: إن أهل جهنم لا يرون الأشجار والأنهار التي هي قريبة منهم، بل لا يرون إلا ما هو بعيد منهم قدر الأرضين السبع وما بينهن ليزدادوا عذابا على عذابهم، فيرون على بعد المسافة السابقة في نار جهنم ما هو على صورة الأشجار ولها ثمار وأوراق خضر، فيسرعون إليها ليدفعوا العذاب الذي بهم بأكل ثمارها والدنو منها، فيقطعون المسافة السابقة في نحو ثلاث خطوات استعجالا، فيأخذون من ثمارها وأوراقها فيجعلونه في أفواههم.