(ولما كان رجب) سنة تسع وعشرين ومائة وألف ألهمني تبارك وتعالى وله الحمد والشكر تقييد بعض فوائده لتعم به الفائدة وتتم به العائدة فجمعت بعض ما سمعته في شهر رجب وشعبان ورمضان وشوال وذي القعدة، وإذا هو يقرب من خمسة عشر كراسا فعلمت أني لو قيدت ما سمعت منه في السنين الأربع الماضية لكان أزيد من مائتي كراس، وآفة العلم عدم التقييد.
واعلم وفقك الله أن جميع ما قيدت إنما هو قطرات من بحر زخار لا قعر له ولا ساحل، تلاطمت أمواجه فتطايرت علينا منها قطرات نفعنا الله بها، فتلك القطرات هي التي لو قيدتها لزادت على مائتي كراس.
وأما العلوم التي في صدر الشيخ رضي الله عنه فلا يحصيها إلا ربه تعالى الذي خصه بها، والله تعالى يوفقنا لما يحبه ويرضاه ويسعدنا بحسن قضاه.
فأقول وبالله تعالى أستعين وإياه أسأل، ومنه أستمد، وإليه أرغب، وبه أستكفي، فهو حسبي ولا أزيد: إن هذا المجموع المبارك المقصود منه هو جمع بعض ما سمعناه من شيخنا رضي الله عنه؛ ولا بد أن نقدم على ذلك مقدمة تتعلق بشمائل هذا الشيخ الكريم، وكيف كانت بداية أمره وكيف كان فتحه، ومن لقنه الذكر والشيوخ الذين لقيهم في الظاهر وفي الباطن وغير ذلك مما ينجر إليه الكلام. وينحصر ذلك في ثلاثة فصول:
الفصل الأول
سمعته رضي الله عنه يقول: كان سيدي العربي الفشتالي وليا من أولياء الله تعالى، أخذ عن الشيخ سيدي محمد بن ناصر صاحب وادي زرعة نفعنا الله به، وأخذ ثانيا عن سيدي مبارك بن علي، وكان سيدي مبارك المذكور يخدم الشطاطيب، فلقيه سيدي العربي بجامع القرويين من محروسة فاس، فتوسم سيدي العربي فيه الخير والصلاح وقال له يا سيدي علمني كيف يحصل السر لأربابه، فقال له سيدي مبارك: اعطس، فقال سيدي العربي ما جاءني عطاس في هذا الوقت، فقال سيدي مبارك: وكذلك أنا ما جاءني كيف أعلمك ذلك؟ فالتزمه سيدي العربي، ودام على محبته إلى أن نال منه ما نال.