فإن كان في حديث"مثلت لي الجنة والنار"إشكال ففي هذا إشكال، وإن كان لا إشكال فيه فهذا أيضا لا إشكال فيه. ومبنى الإشكال على حمل الكتابة على كتابة القلم، ولو كانت هناك كتابة بالقلم لتناقضت مع آخر الحديث فإن فيه"ثم نبذهما"أي الكتابين أي طرحهما ورمى بهما، وكيف يرمي صلى الله عليه وسلم بكتاب جاء من رب العالمين وفيه أسماء أصفيائه ورسله وخيرته من خلقه والنبي صلى الله عليه وسلم أشد الخلق تعظيما لله ولرسله وملائكته، وإنما سمى الصورة الحاصلة في الجرم كتابة لمشابهتها للكتابة في الدلالة على ما في الخارج، على أن ما في الخارج قد تطلق أيضا الكتابة عليه، لأن الكتابة مأخوذة من الجمع فكل مجموع يقال فيه مكتوب، ومنه سميت كتائب الحرب كتائب لتكتبها واجتماعها، والواحدة كتيبة أي مكتوبة ومجموعة ومضمومة إلى غيرها من الكتائب.
وإنما أضيفت الكتابة إلى رب العالمين لأن النور الذي هو سبب في حصول الصورة التي عبر عنها بالكتاب ليس هو من طوق العبد ولا من كسبه، وإنما هو مدد رباني ونور من عند الله سبحانه. فخرج من هذا أن المراد بالكتابة الصورة الحاصلة في النظر لا غير، وحصولها في النظر غير مشكل كحصول سائر المرئيات في النظر، فإن إنسان العين مع صغره ترسم فيه الصور العظيمة كصورة السماء وهو أصغر من العدسة. فالحديث من نوع الممكنات وهكذا سائر المعجزات والخوارق والله أعلم.
وسألته رضي الله عنه عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ"غير ما مرة.
فأجاب رضي الله عنه بأجوبة عديدة، وبقيت النفس متشوفة إلى الجواب الشافي. والذي أوجب الإشكال أن لفظ الحرف ظاهر لغة لا إشكال فيه مثل الإشكال الذي في فواتح السور، ومع ظهوره لغة فقد اختلف العلماء فيه اختلافا شديدا ولا يزيد الواقف عليه إلا حيرة وإشكالا، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يرد إلا معنى واحدا.