الصفحة 86 من 761

فأجاب رضي الله عنه: بأن ما قاله علماء الكلام وأهل السنة والجماعة رضي الله عنهم هو العقيدة، ولا يمكن أن يكون في أطوار الولاية ولا في معجزات الرسالة ما تحيله العقول، نعم يكون فيهما ما تقصر عنه العقول، فإذا أرشدت إلى المعنى المراد قبلته وأذعنت له. والكتابة المذكورة في هذين الكتابين كتابة نظر لا كتابة قلم، وذلك أن صاحب البصيرة لا سيما سيد الأولين والآخرين سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم إذا توجه قصده إلى شيء بأن ينظره فإن بصيرته تخرق الحجب التي بينه وبين المنظور إليه حتى يبلغ نورهما إليه ويحيط به، فإذا حصلت صورة المنظور إليه في البصيرة وفرضناها بصيرة كاملة فإن حكمها يتعدى إلى البصر وتصير القدرة الحاصلة لها حاصلة للبصر أيضا فيرى البصر الصورة مرتسمة له فيما يقابله، فإن كان المقابل له حائطا رآها في حائط، وإن كان المقابل له يده رآها في يده، وإن كان المقابل له قرطاسا رآها في قرطاس.

وعلى هذا يتخرج حديث"مُثِّلَتْ لِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فِي عُرْضِ هَذَا الحَائِطِ"، لأنه صلى الله عليه وسلم توجه ببصيرته إليهما، وهو في صلاة الكسوف، فخرق ذلك إلى بصره وكان المقابل له عرض الحائط فرأى صورتهما فيه صلى الله عليه وسلم. وعليه أيضا يتخرج حديث الكتابين، فإنه صلى الله عليه وسلم توجه ببصيرته إلى الجنة فحصلت صورتها في بصره، وكان المقابل له الكتاب الذي في يمينه فجعل عليه الصلاة والسلام ينظر إلى صورة الجنة وسكانها في ذلك الجرم الذي في يمينه، فقال:"هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَقَبَائِلِهِمْ وَآبَائِهِمْ". ثم توجه ببصيرته إلى النار فحصلت صورتها في البصر وكان المقابل له الجرم الذي في شماله فجعل ينظر إلى صورتها وجميع ما فيها فقال:"هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَآبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت