(ومن كراماته) رضي الله عنه أني أسأله عن قول العلماء في المسألة فيعرفها ويعرف المسألة التي فيها خلاف والتي فيها وفاق ويعرف أقوال علماء الظاهر وعلماء الباطن في كل مسألة مسألة، وانجر الكلام بنا إلى نحو الست سنين، ويعرف الحوادث الكائنة في الأعصار السالفة. ولقد كنت ذات يوم معه في سوق الخميس فسألته عن سبب الرعد والبرق والصواعق فذكر في ذلك كلاما نفيسا ما يتكلم به إلا مثله، وانجر الكلام بنا إلى أن ذكرت له النار التي ظهرت بقريظة في جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، وقد ذكرها القرطبي في التذكرة، والحافظ ابن حجر في كتاب الفتن، وأبو شامة والنووي وشرحوا أمرها. فأردت أن أذكر كلامهم فجعل رضي الله عنه يذكر حكايتها وكيف كانت حتى ذكر ما ذكره العلماء رضي الله عنهم وزاد بذكر سبب خروجها ومن هو صاحب تلك النار التي يعذب بها في الآخرة في أسرار أخر لا تذكر فقضيت منه العجب.
واعلم أن كراماته رضي الله عنه لا تعد ولا تحصى، ولو تتبعت ما أعلم منها وما يعلمه الأصحاب وقرهم الله ما وسعها إلا مجلد كبير، فلنقتصر على هذا القدر فإن فيه كفاية.
ولنختم هذا الفصل بكرامة عظيمة كما افتتحناه بكرامة عظيمة: وذلك أني لما عرفته رضي الله عنه في أول الأمر ورأيت سعة عرفانه وفيضان إيمانه جعلت أختبره فأسأله عن الحديث الصحيح من الباطل، وكان عندي تأليف الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى [الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة] وهو تأليف عجيب رتب فيه الأحاديث المشهورة بين الناس على الحروف ويسم كل حديث بسمته فيقول في الصحيح صحيح، وفي المكذوب مكذوب، ولا ينبغي للطالب أن يخلو منه، فإنه كتاب نفيس، فسألت شيخنا رضي الله عنه عن حديث:
"أُمِرْتُ أَنْ أَحْكُمَ بِالظَّوَاهِرِ وَاللهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ".
فقال رضي الله عنه: ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم. وكذا قال الحافظ السيوطي. وعن حديث:
"كُنْتُ كَنْزًا لَا أُعْرَفُ".