فقال لي رضي الله عنه: ولم أنكر ذلك الفقيه؟ إن أهل الجنة كلهم إذا دخلوا الجنة سطع نور الحمد على ألسنتهم، ويكون ذلك النور على قدر معرفتهم بربهم في دار الدنيا، فإذا دخلوا وحصلت لهم معرفة بربهم زائدة على ما عرفوا في دار الدنيا زيادة لا تحصى، ندموا من عند آخرهم على ما قصروا في حق ربهم وخدمته وعبادته.
قال رضي الله عنه: فهذا أمر يكون في الآخرة وهو حق لا شك فيه ولا مرية.
قال رضي الله عنه: وتقع مسألة أخرى لخصوص الزناة إذا دخلوا الجنة وتجلى لهم الحق سبحانه وتعالى، فإذا علموا ما هم عليه من الخساسة والجهل بربهم، وعلموا ما هو عليه من الجلالة والعظمة والكبرياء والقهر والغلبة وسعة الرحمة، مع ذلك ندموا واستحيوا حتى يغشى عليهم مدة، وعند ذلك يقول من عصمة الله من الزنا بعضهم لبعض: لقد خصنا ربنا في هذا الوقت بجميع نعمه. فإذا أفاق أهل الغشية حصل لهم من القوة وكمال المعرفة شيء لا يكيف.
فهذا ما استدل به رضي الله عنه على وجود مطلق التحسر في الجنة.
قلت: وقد ورد النص بذلك.
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى في البدور السافرة ما نصه:
باب تحسر أهل الجنة على ترك الذكر:
أخرج الطبراني والبيهقي بسند جيد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ فِيهَا".
وأخرج أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ لِلثَّوَابِ".