قال رضي الله عنه: وبنفس سقوط الذات من البطن إلى الأرض يعلم صاحب هذا الكشف ما تصير إليه، بمنزلة البحيرة فإنها قبل أن تنبت لا يدري هل يكون منها شيء أم لا، فإذا نبتت وخرجت إلى العيان علم منها ورقة البطيخ من ورقة غيره، وبمنزلة النوارة التي هي صفراء لا ترجع خضراء والتي هي حمراء لا ترجع صفراء.
ثم قلت له رضي الله عنه: لم كان المنافقون أسوأ الكفرة في الدرك الأسفل من النار، مع أن لهم صلاة وصياما وحجا وجهادا، وإن لم يكن شيء من ذلك فقد كفوا أذيتهم عن أهل الإسلام.
فقال رضي الله عنه: سبحان الله يا فلان، الكفر وخبثه وعظمه يمتد من السابقة لا من الأعمال، فكم مرة ننظر إلى البرزخ فنرى فيه عمودا ظلمانيا أزرق خبيثا ممتدا هابطا منه ذاهبا إلى مدينة من مدن الكفرة لعنهم الله، فأقول في نفسي هذا لا يحل إلا في سلطانهم ولا ينزل إلا في طاغيتهم.
قال: فأتبعه نظري فنراه نزل في شويخ ضعيف جالس في حانوت يتمعش، فأوحد الله تعالى وأحمده وأشكره على نعمه.
وقال لي مرة: الخيط الأزرق وإن كان يدل على الشقاء لكنه قد يتبدل بإذن الله إذا جعل صاحب ذلك الخيط يخالط أهل السعادة ويداخلهم ويباطنهم، فإنه لا يزال خيطه يصفى شيئا فشيئا حتى يصير مثل أهل السعادة والحمد لله.
ومرة قال لي: إن الخيط الأزرق وإن كان أزرق ولا إشراق فيه، فإنا شاهدناه ينقلب، وإن كان مع الزرقة إشراق فإنا لم نشاهده ينقلب.
وقال لي مرة أخرى: من حكمة بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنهم يجمعون الناس على كلمتهم حتى يصيروا أهل ملة واحدة فيتناصحون ويتناصرون، وفيهم أهل سعادة وفيهم من خيطه أزرق، فإن طالت صحبته لأهل السعادة انقلب سعيدا ببركة الإجتماع مع أهل السعادة، فبالبعثة حصل الإجتماع وبالإجتماع حصل الإنقلاب، فهذا من فوائد البعثة.
قلت: وبه يفسر سر الأمر النبوي بلزوم الجماعة وعدم الخروج عنها قيد شبر، وأن من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية.