وكنت ذات يوم معه رضي الله عنه في سوق من الأسواق، ويده الكريمة في يدي ونحن نتماشى، وأنا غائب في سؤاله في هذه العلوم الكشفية، فلقينا رجلا ينسبه الناس إلى الصلاح وهو قد نصب نفسه لذلك، فخاطبنا بكلمة أدرج فيها نصيحة ومقصوده شيء آخر ظهر من قرائن أحواله، فسكتنا عنه.
فقال لي الشيخ رضي الله عنه بعد ذلك: إن خيطه أزرق والعياذ بالله. وأقسم لي على ذلك غير ما مرة، ولا أدري هل يتبدل خيطه أو لا يتبدل؟
قال رضي الله عنه: فإذا ماتت الذات انقلبت الروح إلى البرزخ، وانقطع سرها عن الذات إذا أخذت الذات في التغير والفناء، وقد يبقى سرها متصلا بالقبر في بعض الأولياء، فيبقى عمود نور إيمانه قائما بالقبر ممتدا إلى الروح التي في البرزخ كقيامه بالذات قبل.
قال رضي الله عنه: وكم مرة أنظر إلى مقابر فاس وأجبنتها ومواضع منها فأرى الأنوار خارجة من الأرض ذاهبة إلى البرزخ على هيئة القصب النابت من الأرض الممتد إلى البرزخ، فأعلم أن أصحاب تلك الأنوار أولياء أخيار.
وكم مرة يقول لي: ههنا ولي كبير، في موضع من المواضع، ههنا نوره خارج إلى البرزخ، وكذلك هو في قبر نبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، فعمود نور إيمانه صلى الله عليه وسلم ممتد من القبر الشريف إلى قبة البرزخ التي فيها روحه الطاهرة، وتأتي الملائكة زمرا زمرا وتطوف بذلك النور الشريف الممتد وتتمسح به وتتطارح عليه تطارح النحلة على يعسوبها، فكل مَلَك عجز عن سر أو عن تحمل أمر أو حصل له كلل أو وقوف في مقام فإنه يجيء إلى النور الشريف ويطوف به، فإذا طاف به اكتسب قوة كاملة وجهدا عظيما من نوره صلى الله عليه وسلم، فيرجع إلى موضعه وقد قوي أمره، ولا يفرغ من طوافه حتى تجيء جماعة أخرى من الملائكة كل واحد منهم يبادر الطواف.