الرابع: الزهد في الدنيا فإني رأيته منذ خالطته يطلع لسيدي علي عند الصبح ولا يأتي
معه بشيء حتى بطرف خبز، وإذا جاء للسيد علي شيء أكل منه ما تيسر وإلا ظل يومه طاويا، وكنت أراه إذا وجد طرفا من خبز يأخذ شيئا من زيت السيد ويجعل عليه شيئا من الملح ويجوز به، فإن لم يجد زيتا حله في الماء وأكله، والله أعلم.
وسمعته رضي الله عنه يقول: إن في الأولياء خصلة لو علمها الناس وعلموا ما فيها
من الراحة لدفعوا كل ما عندهم، وهي أن الولي ما لم تنزل به النازلة لا يهتم لها ولا يتكدر حاله من أجلها، ولو ظن أو تيقن أنها تنزل به عن قريب لساعة أو أقل فإنها في نظره بمنزلة العدم لا شعور له بها أصلا، فتراه يشاهد ماينزل به في المستقبل وهو يأكل ويشرب ويضحك ويأتي امرأته بمنزلة الجاهل الذي لا بصيرة له أصلا ولا علم عنده بما سيكون رأسا، وذلك أنهم رضي الله عنهم يعلمون أن تصرفه تعالى لا يحيط به أحد فينفذ تعالى في تصرفه ما لا يظنونه كائنا، ويقطع تعالى من تصرفه ما يرونه واقعا، فهم يشاهدون تصرفه المطلق الذي لا تقييد فيه بوجه من الوجره، وفي هذه الخصلة راحة لا تكيف.
وإذا كان هذا حال الولي المفتوح عليه المشاهد للامور ووقوعها فكيف ينبغي أن
يكون حال المحجوب؟
فمن الواجب عليه أن يسلك بنفسه مسلك الولي، فيطرح الهموم من قلبه ويستريح من
هم التدبير وسوء التقدير مع عدم الفائدة في تدبيره، والله أعلم.
وسألته رضي الله عنه عن الولي الذي تكون له ثلاثمائة وستة وستون ذاتا.
ققال رضي الله عنه: هو الوارث الكامل، يعني الغوث فقط.
فقلت: وموروثه صلى الله عليه وسلم له مائة ألف وأربعة وعشرون ألف ذات فما بال الغرث لم يرثها كلها؟
فقال رضي الله عنه: لا يطيق أحد ما يطيق النبي صلى الله عليه وسلم.
قال رضي الله عنه: ومعنى الوراثة في الغوث أنه لا ذات شربت من ذات النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذاته، والله أعلم.