ثم سمعت منه رضي الله عنه في مشاهدة الحق سبحانه والنظر بنور الله تعالى وارتفاع الزمان في ذلك النظر وأنه لا ماضي ولا حال ولا مستقبل وكيف مشاهدة الذات العلية وصفاته السنية وكيف تسقى الذات بأنوار الأسماء وانقسام مراتب الولاية على عدد الأسماء وفي فتح الروح إلى أسرار أخر ما لا تحيط به العبارة ولا تفيد فيه الإشارة والله أعلم. وسمعته رضي الله عنه يقول: إذا أراد الله تعالى رحمة عبده ونقله من حالة الحجب إلى حالة الفتح حصل للأولياء رضي الله عنهم خوف عليه، لأنهم لا يدرون هل يموت بالفتح لكونه لا يطيقه أو لا يموت، وإذا لم يمت فهل يسلب عقله أو يبقى عليه عقله ومعنى سلب العقل أن يذهب العقل مع الأمور العظام التي يشاهدها وينقطع عن الذات بالكلية بحيث لا يرجع لها ومعنى عدم سلبه أن يذهب شيء من نوره مع ما شاهد ويبقى شيء منه مع الذات يحفظ عليها أكلها وشربها وكيف تلبس ثوبها وكيف تنظر في مصالحها. قال رضي الله عنه: ولا يعلم أحد كيف يصير أمر هذا الذي أراد الله رحمته إلا شيخه.
قلت: ولم يقع لذي الفتح الخروج عن مركزه حتى يموت أو يزول عقله.
فقال رضي الله عنه: إذا فتح على العبد شاهد ما لا يطيق من عالم الملائكة والجن والشياطين ورأى من الصور الفظيعة وسمع من الأصوات الهائلة ما تنفلق به كبده.
قال رضي الله عنه: وكم رجل يكون في حانوته يبيع فيها فيفتح الله عليه فيرى ما لا يطيق فيموت من حينه، فيظن الناس أنه مات فجأة من غير سبب، وهو إنما مات من الفتح.
وذكر لنا رضي الله عنه مرة أنه بينما هو يمشي في سوق العطارين بفاس فنظر إلى
رجل في حانوته يبغ الحناء، ففتح الله عليه فصعق لحينه ومات، فظن الناس أنه مات فجأة وهو مات على الولاية.
فقلت: وأي فرق بين من ذهب عقله لأجل الفتح، وبين من ذهب عقله لغير ذلك؟.
فقال رضي افته عنه: أما الذي ذهب عقله لأجل الفتح، فإنه في الحقيقهّ لم يذهب له