أكمل من مشاهدة القسم الأول، وإنما كانت مشاهدتهم في الحق سبحانه أكمل لأنهم لم ينقطعوا عن مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم التي هي سبب في الارتقاء في مشاهدة الحق سبحانه فمن زاد في مشاهدته عليه الصلاة والسلام زيد له في مشاهدة الحق سبحانه، ومن نقص منها نقص له. قال: ولو كان الاختيار للعبد وكان عمره تسعين سنة مثلا لاختار في جميع هذه المدة أن لا يشاهد إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل موته بيوم يفتح له في مشاهدة الحق سبحانه فإنه يحصل له في هذا اليوم من الفتح في مشاهدة الحق سبحانه لأجل رسوخ قدمه في مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم أكثر مما يحصل لمن فتح له في المشاهدتين معا في تلك المدة من أولها إلى آخرها.
ثم جعل رضي الله عنه مرآة بين عينيه وجعل ينظر في الحروف فقال أليس أن الذي يظهر في الحروف وصفائها في النظر يتبع صفاء المرآة وحسن مائها.
فقلت: نعم. فقال رضي الله عنه: فمشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة المرآة ومشاهدة الحق سبحانه بمنزلة الحروف، فعلى قدر الصفاء في المشاهدة النبوية يحصل الصفاء ويزول الغمام في المشاهدة للذات الأزلية، سمعت هذا الكلام منه رضي الله عنه وقد سأله بعض فقهاء الأشراف أيمكن أن يترك الولي الصلاة؟
فقال رضي الله عنه: لا يمكن أن يترك الولي الصلاة وكيف يمكنه ذلك وهو دائما يكوى بمشهابين فذاته تكوى بمشهاب مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم وروحه تكوى بمشهاب مشاهدة الحق سبحانه، وكل من المشاهدتين يأمره بالصلاة وغيرها من أسرار الشريعة.
وقال رضي الله عنه مرة أخرى: كيف يترك الولي الصلاة والخير الذي حصل له في المشاهدتين إنما حصل له بعد سقي ذاته بأسرار ذات النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف تسقى ذات بأسرار الذات الشريفة ولا تفعل ما تفعله الذات الشريفة هذا لا يكون.