فقال رضي الله عنه: وقد أشار إلى حائط، أليس أنا نشاهد هذا وهو يفني ويزول ولا نشاهد ربه الذي هو خالقه، وماسكه بقدرته، وهو الحي الدائم الذي لا يفنى ولا يموت، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، وهو الخالق لنا والمتصرف فينا بما يشاء، فمشاهدة مثل هذا الحائط الذي لا ينفع ولا يضر مع عدم مشاهدة الحق سبحانه مشاهدة باطلة والبطلان فيها نسبي، أي ما شهدناه كالعدم بالنسبة إلى ما لم نشاهده، وقد سبق أن مشاهدة اللوح دون الحروف المكتوبة فيه مشاهدة باطلة، فمن رحمه الله تعالى فتح عليه في مشاهدة ذاته العلية وصفاته السنية وأفعاله الزكية فتعلق بربه فحيي حياة لا يشقى بعدها ولا يموت، لأن الفاني إذا تعلق بالباقي بقي ببقائه في كلام سبقت الإشارة إليه والله أعلم.
وسمعته رضي الله عنه يقول: إن الفتح الأول وإن اشترك فيه أهل الظلام وأهل الحق لكن المقصود به مختلف فإن القصد به لأهل الظلام طردهم عن بابه تعالى وصدهم عن سبيله، لأنه تعالى أبغضهم وقطعهم عنه وعلق قلوبهم بغيره، وأمدهم بهذه الخوارق إملاء واستدراجا ليحسبوا أنهم على شيء، وأما القصد به إلى أهل الحق فليزدادوا فيه محبة وليرقيهم من درجة إلى درجة، وذلك أنه تعالى فتح لهم الباب وأزال عنهم الحجاب وعلق قلوبهم به فأمدهم بتلك الخوارق لتقوى بصيرتهم وتتأكد معرفتهم كما قال تعالى:
"فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون"
وسمعته رضي الله عنه يقول: إن الصغير قد يكون أقوى من الكبير في مشاهدة هذه الحوادث، وذلك لأن الكبير غائب عنها فيما هو أقوى منها، وهو مشاهدة الحق سبحانه بخلاف الصغير، فإنه يقصد إليها لأنها محل مشاهدته، وإن كانت له مشاهدة للحق سبحانه فهي لا تكون مثل مشاهدة الكبير.