وقال رضي الله عنه: إن الكاملين من أهل الحق إذا سئلوا عن مسألة من الحوادث التي ستقع لم يتكلموا فيها إلا بالنزر من القول، لأنه أول أمر شاهدوه وقد شاهدوا الحق بعده فعلموا بطلانه، فهم يكرهونه ويكرهون الكلام فيه، ولأن الدنيا والحوادث الواقعة فيها مبغوضة عند الله تعالى، وهم يبغضون ما يبغضه الحق سبحانه، وأيضا فلا يتكلمون فيها إلا بالنزول عن درجتهم كمن ينزل من الثريا إلى الثرى، فإن درجة تلك الحوادث هي درجة فتح أهل الظلام، وأيضا فإنهم رضي الله عنهم لا يشاهدون إلا بأنوار الحق سبحانه ونور الحق يرتفع فيه الزمان وترتيبه ولا مضى فيه ولا حال ولا مستقبل فأكثر ما يعلم الولي بنور الحق أن الحادث الفلاني واقع لا محالة، وأما أنه يقع يوم كذا فلا يحصل لهم إلا بالنزول إلى اعتبار الزمان وترتيبه وهو من الظلام عندهم بالنسبة إلى نور الحق، ومثل من يفعل ذلك كمثل الشمس إذا نزلت من سمائها إلى الأرض وأخذت مرآة بين عينيها وجعلت تنظر بها. فقلت: فإن الحق سبحانه يعلم ما سيقع وترتيبه ويعلم ما في الماضي وما في الحال وما في المستقبل، والولي ينظر بنوره فينبغي أن يعلم ما سبق من غير نزول إلى درجة الظلام.
فقال رضي الله عنه: يعلم الله ذلك لأنه تعالى أحاط بكل شيء علما، والرب تعالى قوي والعبد ضعيف، وعلم العبد قاصر.
وبالجملة فالعبد لا يقاس بربه تبارك وتعالى، وقد قال سيدنا الخضر لسيدنا موسى على نبينا وعليهم الصلاة والسلام: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقصه هذا العصفور بنقرته من البحر.
قال رضي الله عنه: وقد يتكلم الولي بشيء من الحوادث المستقبلة فيخبر بها نازلا