فإن قيل: الثواب إذا كان باستحقاق كان ألذ وأرفع من أن يكون بالامتنان والابتداء. والجواب: أن الاستعاذة بالله من عقل من ينتهي إلى التكبر على الله والترفع من احتمال منته وتقدير اللذة في الخروج من نعمته أولى من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم. وليت شعري كيف يعد من العقلاء من يخطر بباله مثل هذه الوساوس، فمن يستثقل المقام أبد الأبد في الجنة من غير تقدم تعب بتكليف أخس من أن يخاطب ويناظر إلى أن قال: فنعوذ بالله من عدم العقل بالكلية فإن هذا الكلام من ذلك النمط فينبغي أن يسترزق الله عقلا لصاحبه ولا يشتغل بمناظرته اهـ. إلى عبارات كثيرة تقدمت من كلام الاقتصاد وإلى عبارات أخر منه بقيت لم أثبتها مخافة السآمة، والله تعالى أعلم.
العبارة الثالثة: قال في الإحياء في كتاب قواعد العقائد: خلق الله سبحانه الخلق وأعمالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم لا يشذ عن قدرته مقدور، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور، ولا تحصى مقدوراته ولا تتناهى معلوماته.
ثم قال: وإنه متفضل بالخلق والاختراع والتكليف، لا عن وجوب، ومتطول بالإنعام لا عن لزوم، فله الفضل والإحسان والنعمة والامتنان إذ كان قادرا على أن يصب على عباده أنواع العذاب ويبتليهم بضروب الالام والأوصاب، ولو فعل ذلك كان منه عدلا، ولم يكن منه قبحا ولاظلما، إذ لا يجب عليه فعل ولا يتصور منه ظلم ولا يجب عليه لأحد حق. وقال: فإن قيل مهما قدر على إصلاح العباد ثم سلط عليهم أسباب العذاب كان ذلك قبحا لا يليق بالحكمة.