العبارهّ الأولى: ما سبق في المستصفى حيث قال: وقولهم إنه تركهم لينزجروا بأنفسهم فيستحقوا الثواب هوس، لأنه علم أنهم لا ينزجرون فليمنعهم قهرا فكم من ممنوع من الفواحش لعجز أو عته، وذلك أحسن من تمكينهم مع العلم، بأنهم لا ينزجرون انتهى. ووجه الشاهد في قوله: وذلك أحسن أي المنع قهرا أو لعجز أوعته أحسن من التمكين فالتمكين هو الذي كان والمنع قهرا، ونحوه هو الذي لم يكن وقد صرح بأنه أحسن مما كان وأبدع ففي الإمكان أحسن مما كان، وإنما ألف المستصفى في آخر عمره بعد رجوعه من السياحة والتبتيل والإحياء ألفه قبل ذلك كما أشار إليه في خطبة المستصفى، وكان تاريخ انقطاعه عن العلم والتدريس وهروبه بنفسه سنة ثمانية وثمانين وأربعمائة في ذي القعدة من السنة المذكورة، وتاريخ رجوعه إلى العلم والتدريس في ذي القعدة سنة تع وتسعين وأربع مائة وبلغت مدة العزلة إحدى عشرة سنة، وقد بسط رضي الله عنه أسباب العزلة وأسباب الرجوع إلى العلم وأطال في ذلك وفي أمور تتعلق به في كتابه المنقذ من الضلال فليراجعه فيه من أراده، والله تعالى أعلم.
العبارة الثانية: قال رضي الله عنه في الاقتصاد: وأما هذا الخلق الموجود فالعقلاء كلهم قد تمنوا العدم، فقال بعضهم يا ليتني كنت نسيا منسيا، وقال آخر يا ليتني لم أك شيئا وقال آخر يا ليتني كنت تبنة رفعت من الأرض، وهذا قول الأنبياء والأولياء، وهم العقلاء، فبعضهم يتمنى عدم الخلق، وبعضهم يتمنى عدم التكليف بأن يكون جمادا، وليت شعري كيف يستجيز العاقل أن يقول: للخلق في التكليف فائدة، وإنما الفائدة في نفي الكلفة والتكليف في نفسه إلزام الكلفة وهو ألم، وإن نظر إلى الثواب وهو الفائدة كان قادرا على إيصاله إليهم بغير تكليف.