الصفحة 667 من 761

وأما توقف المنتصرين لأبي حامد في الظلم والبخل، فما كان من حقهم أن يتوقفوا بل كان الواجب عليهم أن يبادروا إلى رده وإنكاره فإنه مردود ببداهة العقول ولا يصح أن يتمشى إلا على أصول الفلاسفة والاعتزال، وأبو حامد رضي الله عنه منزه عن ذلك، وقد أبدى وأعاد وأفاد وأجاد في رد محالهم وزخرف باطلهم، حتى عظمت في الإسلام منته وظهرت على العلماء نعمته، حتى قال ابن العربي رحمه الله في العواصم بعد أن ذكر الفلاسفة ومذاهبهم المخالفة للإسلام، وقد جاء الله بطائفة عاصمة تجردت لهم وانتدبت بتسخير الله وتأييده للرد عليهم، إلا أنهم لم يكلموهم بلغتهم ولا ردوا عليهم بطريقتهم، وإنما ردوا عليهم وعلى إخوانهم من المبتدعة بما ذكر الله في كتابه وعلمه لنا على لسان رسوله فلما لم يفهموا تلك الأغراض بما استولى على عقولهم من صدأ الباطل، وطفقوا يستهزئون عن تلك العبارات ويطعنون في تلك الدلالات، وينسبون قائلها إلى الجهالات ويضحكون مع أقرانهم في الخلوات، فانتدب للرد عليهم بلغتهم ومكافحتهم بسلاحهم والنقض عليهم بأدلتهم أبو حامد الغزالي رحمه الله فأجاد فيما أفاد، وأبدع في ذلك كما أراه الله وأراد وبلغ من فضيحتهم المراد، فأفسد قولهم من قولهم وذبحهم بمداهم فكان من جيد ما أتاه ومن أحسن ما رواه، ورآه وأفرد عليهم فيما يختصون به دون مشاركة أهل البدع كتاب سماه تهافت الفلاسفة ظهرت فيه منته ووضحت في درج المعارف مرتبته، وأبدع في استخراج الأدلة من القرآن على رسم الترتيب في الوزن الذي شرطوه على قوانين خمسة بديعة في كتاب سماه القسطاس ما شاء، وأخذ في معيار العلم عليهم طريق المنطق فزينه بالأمثلة الفقهية والكلامية، حتى محا فيه رسم الفلاسفة ولم يترك لهم مثالا ولا ممثلا وأخرجه خالصا من دسائسهم، وقد كان تعرض سخيف من بادية بلدنا يعرف بابن حزم حين طالع شيئا من كلام الكندي، إلى أن صنف في المنطق فجاء بما يشبه عقله ويشاكل قدره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت