الصفحة 658 من 761

"ثم نقول: نحن لا ننكر أن أهل العادة يستقبح بعضهم من بعض الظلم والكذب، وإنما الكلام في الحسن والقبح بالإضافة إلى الله تعالى، ومن قضى به فمستنده قياس الغائب على الشاهد وكيف يقيس والسيد لو ترك عبيده وإماءه بعضهم يموج في بعض ويرتكبون الفواحش وهو مطلع عليهم وقادر على منعهم لقبح منه، وقد فعل الله ذلك بعباده ولم يقبح منه، وقولهم إنه تركهم لينزجروا بأنفسهم فيستحقوا الثواب هوس، لأنه علم أنهم لا ينزجرون فليمنعهم قهرا فكم من ممنوع من الفواحش لعجز أو عته وهذا أحسن من تمكينهم مع العلم بأنهم لا ينزجرون". هذا كلامه في المستصفى وعبارته في الاقتصاد أطول وأتم. وقد سبقه إلى

هذا الكلام فحول الأشاعرة كالقاضي أبي بكر الباقلاني نقله عنه في البرهان وكإمام الحرمين في البرهان، وكأبي الحسن الإبياري شارح البرهان وغيرهم.

وإذا سمعت هذا علمت أن الحسن والقبح المتفق عليه بيننا وبين المعتزلة إنما هما العاديان الجاريان في محاورات الناس ومخاطباتهم، وأن المعتزلة راموا قياسه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا في أفعاله وأحكامه على خلقه في عوائدهم، وهو قياس فاسد كما بينه الغزالي رضي الله عنه، وحينئذ فالحسن والقبح بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته وبمعنى صفة الكمال والنقص المتفق عليهما يجب ردهما إلى العادة والعرف لا إلى الحق سبحانه في أحكامه وأفعاله كما غلط فيه السيد السمهودي رضي الله عنه، وحينئذ فقوله إن ما قاله حجة الإسلام راجع إلى حسن متفق عليه غير صحيح بل هو راجع إلى حسن المعتزلة الذين يقيسون الغائب على الشاهد وقوله وهو غير خاف على من مارس كتب الأصول الخ. أقول قد خفي عليك أيها السيد الجليل رضي الله عنك ونفعنا بك فإن الأصوليين أشاروا إلى أن الحسن والقبح يجريان في أحكام البشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت