ثم ما عول عليه في وجوب وجود الأكمل من أن الحكمة تقتضي ذلك لأنها تقتضي وضع الأشياء في محالها ينبغي أن يقال عليه ما يريدون بالحكمة فإن أبا حامد رضي الله عنه قال في مقاصد الفلاسفة، إن الأول سبحانه حكيم لأن الحكمة تطلق على شيئين أحدهما العلم وهو تصور الأشياء بتحقق الماهية والحد والتصديق فيها باليقين المحض المحقق، والثاني على الفعل بأن يكون مرتبا محكما جامعا لكل ما يحتاج إليه من زينة ومال ثم بين علمه تعالى إلى أن قال:
وأما أفعاله ففي غاية الأحكام إذ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وأنعم عليه بكل ما هو ضروري له وبكل ما هو محتاج إليه وإن لم يكن في غاية الضرورة وبكل ما هو زينة وتكميل وإن لم يكن في محال الحاجة كتقويس الحاجبين وتقعير الأخمصين ونبات اللحية الساترة لتشيخ البشرة في الكبر إلى غير ذلك عن اللطائف الخارجة عن الحصر في الحيوان والنبات وجميع أجزاء العالم انتهى.
وحينئذ فإن أردتم بالحكمة تعلق العلم بالأشياء الذي هو الوجه الأول فلا يخفى أنها لا تقتضي عقلا وجوب وجود الأبدع ضرورة أن العلم يتعلق بكل شيء وإن أردتم بها المعنى الثاني فلا يفيدكم أيضا، لأنها عبارة عن تعلق القدرة التنجيزي حتى تكون سببا في كونه لا ينجز إلا الأبدع الأكمل على أن يكون الفعل محكما متقنا لا يقتضي حصر الأبدع فيه وانتفاء سائر أفراده عن دائرة الإمكان.
وبالجملة فالحكمة لا تدل على ما ذكروه لأنها إما عبارة عن تعلق العلم وإما عبارة عن تعلق القدرة، وكل منهما لا يقتضي إيجاب وجود الأبدع وإنما يقتضيه اقتضاء فاسدا أحد أمرين إما التعليل ونفي الإختيار كما يقوله الفلاسفة الملعونون، وإما لئلا يلزم البخل والظلم كما يقوله المعتزلة والله تعالى أعلم.