الصفحة 653 من 761

أما الأمر الأول: قال السيد السمهودي رضي الله عنه: اعلم أن حجة الإسلام رضي الله عنه لم يرد قطعا من الوجوب في قوله على الترتيب الواجب، الوجوب الذاتي المنافي للإختيار كما زعمت الفلاسفة الضلال، ولا الوجوب على الله تعالى بالعقل كما يحكى عن المعتزلة المتشبثة بأذيال الفلاسفة في المقال، بل أراد أن ذلك هو الترتيب المتعين الذي لا بد من حصوله، كما يعضده قوله في آخر كلامه السابق عن الإحياء. قد صار ما قضى به واجب الحصول بعد سبق المشيئة، فسبقها هو الموجب لحصوله. إلى أن قال: فالأحسن الأكمل واجب الحصول بسبب سبق القضاء والقدر، والمشيئة النافذة به، وإفضاء الحكمة له. فالوجوب بهذا المعنى وجوب بالإختيار لأنه نشأ عن سبق العلم الذي لا يمكن تخلفه، والمشيئة التي لا بد من إنفاذها. فاستحال خلافه لكمال نفوذ المشيئة به، والقدرة التابعة لها، والحكمة البالغة المقتضية لوضع الأشياء في محالها انتهى.

قلت: قوله: بل أراد أن ذلك هو الترتيب المتعين الذي لا بد من حصوله، إن أراد عقلا فهو مذهب المعتزلة الذي نفاه، وإن أراد أنه لا بد من حصوله لسبقية المشيئة به والعلم فهو مسلم، ولكنه مصادرة عن المطلوب فإنه لم يأت بدليل على أن هذا الذي وجب لتعلق العلم به والمشيئة هو الأبدع الأكمل الذي لم يبق في الإمكان غيره. وبالجملة فإن جعل الدليل على وجوب وجود الأبدع الأكمل رعاية الصلاح كان هو قول المعتزلة لا غير، وإن جعله ما سبق من العلم والمشيئة كان مصادرة عن المطلوب كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.

وقوله: فسبقها هو الموجب لحصوله، إن كان على وصف أنه الأبدع فهو مصادرة، وإن كان على وصف ما وجد عليه مع احتمال أن يكون ثم أبدع منه ولم يوجد فهو مسلم ولا يفيدكم شيئا، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت