وقوله: بل هو كلام حق يجب اعتقاده على الوجه الذي قررته، أقول: حاش لله أن يعتقد أحد أن الأبدع لو كان مع القدرة عليه ولم يفعله تعالى لكان بخلا، فإن هذا عين رعاية الصلاح والأصلح الذي هو عين مذهب المعتزلة، وإنما الذي يجب اعتقاده أنه تعالى فاعل بالإختيار:) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ (،) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ (،) وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (،) وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (.
والله أعلم.
وأجاب الحافظ جلال الدين السيوطي رضي الله عنه ونفعنا به آمين، وهو من المنتصرين لحجة الإسلام، فقال في كتابه الذي ألفه في هذه المسألة وسماه بتشييد الأركان لمسألة ليس في الإمكان أبدع مما كان، ما معناه: توقف الناس في ذلك وقالوا إنه لا يناسب أصول أهل السنة، وإنما يناسب أصول المعتزلة، إذ كيف يكون مناقضا للعدل عند أهل السنة مع أن فعل الأصلح عندهم من باب الفضل والمعتزلة، يوجبونه عليه تعالى بناء على الحسن والقبح العقليين. قال: ولا شك أن الأمر كما قالوا من الإشكال، وقد توقفت فيه أياما حتى منَّ الله علي بفهمه بعد التضرع إليه وإظهار الذل والإفتقار، فألهمني إليه وله الحمد. وذلك أن حجة الإسلام رضي الله عنه إنما أراد تقرير الدليل على مذهب الفريقين معا، لتتم له دعواه عدم الإمكان على المذهبين معا. فكأنه قال هو محال إجماعا من الفريقين، أما على مذهب أهل السنة فلأن ادخاره مناف للفضل وهو الذي عبر عنه بالجود الإلهي، وأما على مذهب المعتزلة فلأن ادخاره عندهم ظلم ينافي العدل. فأتى بجملة كل فريق، وليس مراده بالجملتين التقرير على مذهب واحد انتهى.
قلت: ولو عبر حجة الإسلام كذلك لقرب الحال، ولكنه قال لو ادخره مع القدرة عليه لكان بخلا ينافي الجود، وأهل السنة رضي الله عنهم ينزهون ربهم عن وصفه بالبخل، فقد بان أن العبارة الأولى لا تأتي على مذهب أهل السنة رضي الله عنهم.