وأجاب برهان الدين بن أبي الشريف، وهو أخو الإمام المتقدم في الطائفة الأولى، وأصغر منه، وعاش بعده زمانا طويلا، فقال ما نصه: وليس في مقالة حجة الإسلام إيجاب شيء ولا تحجير على القدرة ولا نفي لقدرته تعالى على غير هذا العالم، بل هو قادر على إبراز عوالم لا نهاية لها، ولكن لتعلق العلم القديم ووقوع اختياره وإرادته لإيجاده اتصف بالأبدع لكونه دالا على ما اقتضته صفاته. وقوله ليس في الإمكان أبدع مما كان، أي ليس فيما تعلقت القدرة به وسبق به العلم الإرادة من الممكنات أبدع مما وجد لما قررناه اهـ.
قلت: وفيه نظر من وجهين:
أحدهما: أنه جعل سبق العلم والإرادة دليلا على أن ما وجد هو الأبدع، وهو لا يدل على ذلك وإنما يدل على أن ما وجد وجد عن علم وإرادة، وهل هو أبدع أو لا يبقى ما هو أعم.
ثانيهما: أنك قد علمت أن الأبدع لا نهاية لأفراده لكونه مقدورا، والمقدور لا نهاية له. وإذا كان الأبدع لا نهاية له، فعلى تقدير أن تتعلق الأوصاف القديمة بوجود فرد منه يبقى في دائرة الإمكان ما لا يتناهى من أفراده، والمجيب رضي الله عنه ظن أن الأبدع جزئي شخصي لا تعدد فيه، فإذا فرض تعلق العلم والمشيئة بوجوده استحال غيره وإلا كان العلم جهلا، وحيث كان الأبدع كليا لا نهاية لأفراده لم يلزم من وجود فرد منها انتفاء غيره عن دائرة الإمكان، والله أعلم.
وأجاب الشيخ أبو المواهب التونسي رحمه الله بما نصه: قوله ليس في الإمكان أبدع مما كان، قلنا إمكان الحكمة الإلهية لا إمكان القدرة الربانية، وهذا هو اللائق بكلام حجة الإسلام انتهى.
قلت: لا نسلم أنه لا يمكن ذلك في الحكمة الإلهية، فإنها إذا كانت متعلقات القدرة لا نهاية لها كانت الحكمة الإلهية لا نهاية لها لأنها تابعة لمتعلقات العلم، ومتعلقات العلم لا نهاية لها، فلزم قطعا أن الحكمة الإلهية لا نهاية لها، ومن الذي يجترئ على حكمة الله تعالى ويقول إنها محصورة ومقصورة.