الصفحة 644 من 761

ثم قال الشعراني ناقلا لجواب آخر: وأجاب الشيخ محمد المغربي الشاذلي شيخ الجلال السيوطي في الطريق رحمه الله، بأن معنى كلام الغزالي ليس في الإمكان أبدع حكمة من هذا العالم يحكم بها عقلنا، بخلاف ما استأثر الحق تعالى بعلمه وإدراكه وأبدعيته خاصة به تعالى، فإن ذلك أكمل وأبدع حسنا من هذا العالم الذي أظهره لنا، إذ لو كان هذا العالم يدخله نقص لتعدى ذلك إلى خالقه، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقد أجمع أهل الملل كلها على أنه لا يصدر عن الكامل إلا كامل، قال الله تعالى:) وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ، وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (. ومعلوم أن الإمتنان والإمتداح لا يكون إلا فيما هو كامل الأوصاف، وكيف يمتن الحق تعالى ويمتدح عند خلقه بمفضول. انتهى.

قلت: وهذا إن سلم من التصحيف فليس بجواب أيضا. أما أولا فإنه متدافع إذ أوله يقتضي نفي إمكان الأبدع بحسب عقولنا فقط، وأنه ثابت بحسب علمه تعالى، وآخره يقتضي نفي إمكانه مطلقا، إذ لو ثبت إمكان الأبدع لكان هذا الموجود ناقصا بالنسبة إليه، فيسري النقص من الخلق إلى خالقه تعالى. وحينئذ فنختار ما اقتضاه أول الجواب، ونمنع ما اقتضاه آخره، ولا نسلم لزوم النقص له سبحانه إذ لا يلزم من ثبوت النقص في المفعول ثبوته في الفاعل كما لا يخفى، وإلا فالحادث كله ناقص لاحتياجه وافتقاره إلى خالقه، فلو كان نقص الفعل يسري إلى الفاعل لزم امتناع وجود الأبدع أيضا لنقصه بالحدوث.

وأما ثانيا، فالإجماع الذي عول عليه لا يعتمد عليه في هذا الباب، لأن المسألة راجعة إلى القدرة التي هي إحدى مصححات الفعل التي لا يمكن إثباتها بالإجماع كما لا يخفى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت