الصفحة 641 من 761

قلت: وذلك لأن الإله الحق ثبت له الإختيار المطلق، واستحال في حقه الظلم والبخل والعجز، فقوله في دليله السابق إذ لو كان أبدع من هذا العالم وادخره مع القدرة عليه لكان بخلا وظلما مخالف لذلك. وقد تعرض أبو حامد بنفسه في كتابه المسمى بالإقتصاد الذي ألفه في الإعتقاد لبيان استحالة هذه الحقائق في حقه تعالى. فعلى هذا فإذا كان هناك أبدع من هذا العالم ولم يفعله فذلك لكمال اختياره وتعاليه في عظمته وسلطانه، لا لما قاله هنا من أن ذلك بخل وعجز وظلم، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

ورحم الله ابن العربي في قوله السابق: ونحن وإن كنا قطره في بحره فإنا لا نرد قوله إلا بقوله. وإذا أردت أن ترد قوله بقوله، فانظر كتاب الإقتصاد المتقدم، وانظر كتاب القسطاس المستقيم له أيضا، إلى مواضع كثيرة في الإحياء صرح فيها بالحق الذي يجب للرب سبحانه. ولعلنا نشير إلى شيء من ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى.

الطائفة الثانية: وهم المنتصرون لأبي حامد رضي الله تعالى عنه، والمؤولون لكلامه على وجه صحيح في ظنهم. فأول هذه الطائفة أبو حامد نفسه، فإنه سئل في زمانه عن هذه المسألة، وهذا كلامه رحمه الله، قال في الأجوبة المسكتة حاكيا للسؤال ما معنى ليس في الإمكان أبدع مما كان من صورة هذا العالم ولا أحسن ترتيبا ولا أكمل صنعا، ولو كان وادخره مع القدرة عليه كان ذلك بخلا يناقض الجود الإلهي، وإن لم يكن قادرا عليه كان ذلك عجزا ينافي الإلهية، وكيف يقضى عليه بالعجز فيما لم يخلقه اختيارا ولم ينسب إليه ذلك قبل خلق العالم، ويقال ادخار خلق العالم من العدم إلى الوجود عجز مثل ما قيل فيما ذكرناه، وما الفرق بينهما.

ثم قال في الجواب: إن ذلك أي تأخير خلق العالم قبل خلقه عن أن يخرجه من العدم إلى الوجود يقع تحت الإختيار من حيث إنه الفاعل المختار أن يفعل وأن لا يفعل، فإذا فعل فليس في الإمكان أن يفعل إلا نهاية ما تقتضيه الحكمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت