فقلت: كيف يمكن هذا والساعة التي مرت عليهما واحدة؟ فكيف تكون على هذا ساعة وعلى الآخر عدة شهور؟ فإن الشمس التي في الأفق تكون بها الساعة والشهر واحدة. فإن كانت على الذي غطس في البحر عدة شهور، فكيف تكون على أهل مصر؟ فإن كانت عدة شهور حتى تزوج فيها وولد له لزم المحال، فإن أهل مصر وأهل دجلة التي هي البحر السابق لا يمكن اختلاف مشارق الشمس ومغاربها بالنسبة إليهما اختلافا يبلغ هذا القدر أبدا. وإن كانت على أهل مصر ساعة، فكيف ساغ له أن يتزوج فيها ويولد له فيها؟ هذا من أشكل ما بلغنا من كرامات الأولياء، وليس طي الزمان كطي المكان، فإن طي الزمان يلزم فيه المحذور السابق، وطي المكان محض كرامة لا محذور فيه.
والحكاية المذكورة ذكرها غير واحد، وربما احتج لها بعضهم بطول يوم القيامة فإن مقداره خمسون ألف سنة، وهو على المؤمن كساعة وكركعتي الفجر، ولا دليل فيه، لأن طول القيامة قد قيل إنه طول شدة لا طول مدة، وأكبر ظني أنه عليه اقتصر ابن حجر في الفتح، والله أعلم.
فقال رضي الله عنه: إن الله تعالى لا يعجزه شيء، فهو يقدر على أن يجعل لصاحب الحكاية زمانا آخر وقوما آخرين في حال كونه في البحر، ويحجبه عن مشاهدة البحر وهو فيه، كما حجب تعالى من شاء عن مشاهدة الملك وهو معه دائما، وإذا حجبه عن البحر أشهده ذلك الزمان وأولئك القوم ويمثلهم تعالى بما شاء بأهل مصر أو بغيرهم، حتى يحصل المراد من الحكاية، ثم يذهب تعالى ذلك الزمان وأولئك القوم. وإنما يفعل تعالى هذا ونحوه لشيء وقع لصاحب الحكاية.
فقلت: صدقتم رضي الله عنكم، كذلك قالوا إنه كان ينكر بعض ما يقع للأولياء مع كثرة خدمته لهم.