ثم إن هذه المشاهدة التي سقيت بها الروح بسبب ذكر الحبيب صلى الله عليه وسلم بقيت فيها إلى أن دخلت في الذات، فحصلت لها الغفلة بسبب انقطاع الذات في شهواتها، فلما جعل الشخص يذكر الحبيب ويسمع من يذكره جعلت المشاهدة التي في الروح تنزل في الذات وتحل فيها شيئا فشيئا، إلى أن تحصل للذات الأمور الثلاثة التي حصلت للروح، فتنتقل من حالة إلى حالة وتنقطع عن الحالة الأولى، فتنقطع الأغيار وتتعلق بالواحد القهار سبحانه لا إله إلا هو، والله أعلم.
وسمعته رضي الله عنه يقول: إني لم أزل أتعجب من الولي الذي يقول إنه يملأ الكون، وذلك لأن للكون بابا منه يقع الدخول إليه وهو النبي صلى الله عليه وسلم ولا يطيق مخلوق من المخلوقات أن يحمل نوره صلى الله عليه وسلم، ومن عجز من الباب فكيف يطيق غيره، اللهم إلا أن يكون دخل من غير باب، يعني فيكون فتحه شيطانيا ظلمانيا، وهذا لا يملأ بيته فضلا عن داره فضلا عن شيء آخر.
قال رضي الله عنه: واعلم أن الأنوار المكونات كلها من عرش وفرش وسموات وأرضين وجنات وحجب وما فوقها وما تحتها، إذا جمعت كلها وجدت بعضا من نور النبي صلى الله عليه وسلم، وأن مجموع نوره صلى الله عليه وسلم لو وضع على العرش لذاب، ولو وضع على الحجب السبعين التي فوق العرش لتهافتت، ولو جمعت المخلوقات كلها ووضع عليها ذلك النور العظيم لتهافتت وتساقطت. وإذا كان هذا شأن نوره صلى الله عليه وسلم فكيف يقول من يقول إنه يملأ الكون؟ فأين تكون ذاته إذا بلغت المدينة المشرفة وقربت من القبر الشريف؟ أم كيف تكون إذا تصاعدت نحو البرزخ وقربت من الموضع الذي فيه النور العظيم القائم بالروح الشريفة؟ أفتكون ذاته حاملة له والمخلوقات بجملتها عاجزة عنه؟ أم يتخطى ذلك الموضع فلم يملأ الكون، والفرض أن الموضع المذكور آخذ من القبر الشريف إلى قبة البرزخ تحت العرش. ولعله أراد بالكون ما بين السماء والأرض ما عدا موضع البرزخ الذي فيه النور المعظم.