وسألته رضي الله عنه عن معنى قول ابن الفارض رضي الله عنه:
شَرِبْنَا عَلَى ذِكْرِ الْحَبِيبِ مُدَامَةً * سَكِرْنَا بِهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُخْلَقَ الْكَرَمُ
فقال رضي الله عنه: هذه إشارة إلى شيء في عالم الأرواح. والمراد بالحبيب نبينا صلى الله عليه وسلم، فذكره في ذلك العالم سبب في حصول المشاهدة التامة، فتنتقل الروح بسبب هذه المشاهدة من حالة كانت عليها إلى حالة تحصل لها، وتتبدل في هذه الحالة عوائدها وجميع معارفها، فتحصل لها قوة عظيمة على خرق الأنوار وقطع الأغيار، وتنقطع عن الحالة الأولى حتى كأنها لا تعرفها أصلا. فحسن لذلك تشبيه هذه المشاهدة بالمدامة لثلاثة أمور:
الأول: أن المدامة سبب في الإنتقال من حالة إلى حالة، وكذلك هذه المشاهدة.
الثاني: أن المدامة سبب في الأنقطاع عن الحالة الأولى، وكذلك هذه المشاهدة.
الثالث: أن المدامة سبب في الشجاعة والجراءة والإقدام، لأن المدامة إذا طلعت في رأس شاربها يستحقر في عينه كل أحد، وكذلك هذه المشاهدة سبب في إقدام صاحبها على جميع الأنوار وخرقه لها، وطرحه لجميع الأغيار. فهذا معنى قوله: شربنا على ذكر الحبيب مدامة، أي جرأنا بالمشاهدة في الحق سبحانه وتعالى على ذكر حبيبه صلى الله عليه وسلم.
وقوله: سكرنا بها، أي انقطعنا بها عن غيره تعالى وتعلقنا به وحده.
وقوله: من قبل أن يخلق الكرم، يعني لأن ذلك في عالم الأرواح، والكرم إنما خلق في عالم الأشباح.