وأما البرزخ فلا يطيق أحد أن يحصي ألوان الأنوار الخارجة منه، وهي أنوار أرواح الأنبياء والأولياء وعباد الله الصالحين وسائر المؤمنين. وكذلك أنوار العرش فإنها مختلفة السطع فيه على حسب اختلاف منازل سكان الجنة، فكل منزل فيها له نور يخصه، والعرش يسطع فيه نور كل منزل، فأنواره مختلفة. ولما اختلفت أنوار هذه الأشياء حسن تشبيهه لها بالرياض المحسوسة المشتملة على أزهار متعددة وأنوار متباينة، ولذلك أطلق عليها اسم الرياض فقال (فرياض الملكوت) .
ولما كان نوره صلى الله عليه وسلم في تلك الأشياء المتقدمة، فإن اسمه مكتوب في اللوح المحفوظ وخرج نوره من أسرار القلم، ولروحه الشريفة مقام في البرزخ، وله في الجنة المقام الذي لا مقام فوقه، فلزم أن نوره صلى الله عليه وسلم موجود مع تلك الأنوار المتقدمة، وحيث كان موجودا معها حصل لها بسببه حسن وبهاء ورونق عجيب ونظام غريب، وإليه أشار بقوله: (بزهر جماله) صلى الله عليه وسلم.
(وَلَا شَيْءَ إِلَّا وَهُوَ بِهِ مَنُوطٌ) أي معلق استمدادا واستنادا، فإن الكل مستمد منه صلى الله عليه وسلم ومستند عليه في الحقيقة.
(إِذْ لَوْلَا الْوَاسِطَةُ لَذَهَبَ كَمَا قِيلَ الْمُوْسُوطُ) الواسطة هنا هو نبينا صلى الله عليه وسلم، وسماه بالواسطة لوجود الأشياء من أجله صلى الله عليه وسلم، وهو وسيلتهم العظمى. والمراد بالموسوط ما عداه صلى الله عليه وسلم. وقوله (كما قيل) إشارة إلى أن هذا أمر قد قاله غيره، وأشار به إلى ما اشتهر على ألسنة الخاص والعام، وأنه لولا هو صلى الله عليه وسلم ما خلقت جنة ولا نار، ولا سماء ولا أرض، ولا زمان ولا مكان، ولا ليل ولا نهار، ولا غير ذلك.
(صَلَاةً تَلِيقُ بِكَ) أي بقدرك وعظمتك، (مِنْكَ) أي صادرة منك لا مني، (إِلَيْهِ) أي تنتهي إليه.