وعالم الجبروت باعتبار الأنوار التي تهب عليهم، كما يهب علينا ريح الهواء في عالمنا، فتهب عليهم تلك الأنوار لتسقى بها ذواتهم وأرواحهم ومعارفهم وتدوم بها مقاماتهم، فهي أي الأنوار التي تهب عليهم كالحافظة لجميع ما سبق من أحوالهم، فجعل لتلك الأنوار التي أشير إليها بالجبروت حياضا.
ولما كانت تلك الأنوار إنما تستمد من نوره صلى الله عليه وسلم قال إن تلك الحياض تدفقت من فيض أنواره صلى الله عليه وسلم.
قلت: وهذا الذي ذكره الشيخ رضي الله عنه في هذه العوالم الثلاثة حسن.
وذهب بعضهم إلى أن عالم الملك هو المدرك بالحواس، وعالم الملكوت هو المدرك بالعقول، وعالم الجبروت هو المدرك بالمواهب.
وقال بعضهم: عالم الملك هو الظاهر المحسوس، وعالم الملكوت هو الباطن في العقول، وعالم الجبروت هو المتوسط بينهما الآخذ بطرف كل منهما.
وقال بعضهم: الجبروت هو حضرة الأسماء كما أن الملكوت حضرة الصفات من حيث كونها وسائط التصرف بين الأسماء والأفعال، كاللطف والقهر المتوسطين بين اللطيف والملطوف والقهار والمقهور، والله تعالى أعلم.
وقال رضي الله عنه مرة أخرى في قوله (فَرِيَاضُ الْمَلَكُوتِ) : اعلم أن الرياض هنا كمن يقول محاسن الملكوت. والملكوت هو العالم العلوي، وقصده هنا هو اللوح المحفوظ مع القلم والبرزخ وما فوق ذلك من العرش، لأن اللوح المحفوظ مكتوب فيه اسمه صلى الله عليه وسلم وأسماء الأنبياء والأولياء وعباد الله الصالحين وسائر المؤمنين، وحروف اللوح المحفوظ تسطع منها الأنوار وتخرج على قدر اختلاف مقامات أصحاب الأسماء المتقدمة عند الله عز وجل. فأنوار اللوح المتعلقة بحروف الأسماء المتقدمة في غاية الإختلاف، وكذلك الأنوار الخارجة من القلم مختلفة جدا كالاختلاف السابق.