الصفحة 610 من 761

(فَـ) تلك العلوم إنما نزلت ورسخت فيه دون غيره صلى الله عليه وسلم، فإن غيره تزول عنه إذا توجه نحو الحق سبحانه وتعالى، ولذلك (أَعْجَزَ) صلى الله عليه وسلم (الْخَلَائِقَ) و (تَضَاءَلَتِ الْفُهُومُ) فيه، أي اضمحلت فلم يفهموه ولم يعرفوه، والفهوم جمع فهم وهو نور العقل الذي هو الإدراك. (فَلَمْ يُدْرِكْهُ مِنَّا) أي من بني آدم (سَابِقٌ) وهم الأنبياء، (وَلَا لَاحِقٌ) وهم الأولياء الكمل. والموجب لذلك هو أن روحه عليه الصلاة والسلام لما كانت كاملة في الكمالات الباطنية فكذلك ذاته صلى الله عليه وسلم كاملة في الكمالات الذاتية. (فَرِيَاضُ الْمَلَكُوتِ) أي فأسرار العالم العلوي، أي فأسرار القدر التي فيه وفي خلق كل مخلوق فيه ووضعه في موضعه من الملائكة وجميع ما فيه، ولم كانت السماء في محلها، واللوح المحفوظ في محله. (بِزَهْرِ جَمَالِهِ مُونِقَةٌ) أي رحمها الله تعالى بنوره صلى الله عليه وسلم (وَحِيَاضُ الْجَبَرُوتِ بِفَيْضِ أَنْوَارِهِ مُتَدَفِّقَةٌ) .

اعلم أن العالم العلوي يقال له عالم الملك، وعالم الملكوت، وعالم الجبروت، باعتبارات مختلفة. فعالم الملك باعتبار اتفاق أهله، أعني ناطقهم وصامتهم وجامدهم وعاقلهم، فإنهم اتفقوا على نظر واحد والتفات واحد إلى معبود واحد وهو الحق سبحانه وتعالى، فهم متفقون على معرفته ومشاهدته وسلب الإختيار عنهم، بخلاف أهل الأرض من العالم السفلي، فمنهم عباد شمس وعباد قمر وعباد كواكب وعباد صليب وعباد وثن، إلى غير ذلك من ضلالاتهم، فاختلف نظرهم بخلاف أهل العالم العلوي.

وبالجملة فكل عالم اتفق أهله على كلمة حق فهو عالم الملك، وليس ذلك إلا العالم العلوي.

وعالم الملكوت باعتبار اختلاف أنوار أهله، وتباين مقاماتهم وأحوالهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت