ومنها قال سيدي عبد الرحمن: كنا نجلس مع الشيخ رضي الله عنه في فصل البرد الشديد فنشاهد جبينه رضي الله عنه يسيل بالعرق سيلانا كثيرا، وقد شاهدنا انتقال هذه الحالة. قلت للشيخ رضي الله عنه: ما سبب انتقال هذه الحالة؟ قال رضي الله عنه: إن العرق الذي يسيل مني كان في أول الأمر حيث كانت المشاهدة تحضر وتغيب فإذا غابت كنت كواحد من الناس، فإذا رجعت أخذتني عن حالة الآدمي فإذا ذهبت رجعت إلى الحالة الآدمية فإذا رجعت نقلتني عنها فكان ذلك يضرني كثيرا، ولما دامت علي وصارت لا تغيب وأنست الذات بها صارت لا تتأثر بها.
ومنها أيضا ما وقع لكاتبه عبد الله بن علي ولأخيه عبد الرحمن المذكور أنهما صعدا يوما على سطح مدرسة العطارين قالا: فرأينا على سطوح الدور نسوة مجتمعات ومتفرقات، فجعلنا ننظر إليهن ونتذاكر أمرهن فيما بيننا ونضحك أحيانا، ثم وثب أحدنا مرة إلى الهواء من قوة ما غلب علينا من المزاح، فلما قدمنا دار الشيخ رضي الله عنه وجلسنا في الصقلابية المعروفة جعل رضي الله عنه يضحك ضحكا كثيرا ويقول: ما أملح الشيخ الذي لا يكاشف، ثم قال: أين كنتما؟ أصدقاني ولا تكذبا علي، فذكرنا له الأمر الذي كان، فجعل رضي الله عنه يذكر لنا أمر النسوة ومكانهن في السطوح كأنه حاضر معنا، وذكر لنا أيضا الوثبة المتقدمة من غير أن نذكرها له، فذكر لنا رضي الله عنه أنه كان حينئذ جالسا مع بعض من قصده للزيارة فلم يشعروا به حتى تفرقع بالضحك وذلك حين شاهد تلك الوثبة فظن من حضر أنه كان يضحك عليه.