ثم خلق الله تعالى نور الأرواح جملة فسقاه من النور المكرم، ثم ميزه الله تعالى قطعا قطعا، فصوّر من كل قطعة روحا من الأرواح، وسقاهم عند التصوير من النور المكرم أيضا. ثم بقيت الأرواح على ذلك مدة، فمنهم من استحلى ذلك الشراب، ومنهم من لم يستحله. فلما أراد الله تعالى أن يميز أحبابه من أعدائه، وأن يخلق لأعدائه دارهم التي هي جهنم، جمع الأرواح وقال لهم:) أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ (، فمن استحلى ذلك النور وكانت منه إليه رقة وحنو عليه أجاب محبة ورضا، ومن لم يستحله أجاب كرها وخوفا، فظهر الظلام الذي هو أصل جهنم، فجعل الظلام يزيد في كل لحظة، وجعل النور أيضا يزيد في كل لحظة، فعند ذلك علموا قدر النور المكرم حيث رأوا من لم يستحله استوجب الغضب، وخلقت جهنم من أجلهم، والله أعلم.
وسمعته رضي الله عنه يقول مرة أخرى: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن سقوا من نوره لم يشربوه بتمامه، بل كل واحد يشرب منه وما يناسبه وكتب له، فإن النور المكرم ذو ألوان كثيرة وأحوال عديدة وأقسام كثيرة، فكل واحد شرب لونا خاصا ونوعا خاصا.
قال رضي الله عنه: فسيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام شرب من النور المكرم، فحصل له مقام الغربة، وهو مقام يحمل صاحبه على السياحة وعدم القرار في موضع واحد.
وسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام شرب من النور المكرم، فحصل له مقام الرحمة والتواضع مع المشاهدة الكاملة، فتراه إذا تكلم مع أحد يخاطبه بلين ويكلمه بتواضع عظيم، فيظن المتكلم أنه يتواضع له، وهو إنما يتواضع لله عز وجل لقوة مشاهدته.
وسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام شرب من النور المكرم، فحصل له مقام مشاهدة الحق سبحانه في نعمه وخيراته وعطاياه التي لا يقدر قدرها. وهكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والملائكة الكرام، والله أعلم.