وسمعته رضي الله عنه مرة أخرى يقول: مثل الملائكة الذين يريدون أن يدخلوا الروح في الذات كعبيد صغار لملك يرسلها إلى الباشا العظيم ليدخلوه إلى السجن، فإذا نظرنا إلى الغلمان الصغار وإلى الباشا العظيم وجدناهم لا يقدرون على معالجة الباشا في أمر من الأمور، وإذا نظرنا إلى الملك الذي أرسلهم وأنه الحاكم في الباشا وغيره حكمنا بأنه يجب أن يذل لهم الباشا وغيره. وإذا أرادوا إدخالها في الذات حصل لها كرب عظيم وانزعاجات كثيرة، وتجعل ترغرغ بصوت عظيم، فلا يعلم ما نزل بها إلا الله تعالى، والله أعلم.
-الثامنة: عند تصويره عند البعث، فإنه يسقى من النور الكريم لتستمسك ذاته.
قال رضي الله عنه: فهذا السقي في هذه المرات الثمان اشترك فيه الأنبياء والمؤمنون من سائر الأمم ومن هذه الأمة. ولكن الفرق حاصل، فإن ما سقي به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قدر لا يطيقه غيرهم، فلذلك حازوا درجة النبوة والرسالة. وأما غيرهم فكل سقي بقدر طاقته.
وأما الفرق بين سقي هذه الأمة الشريفة وبين سقي غيرها من سائر الأمم، فهو أن هذه الأمة الشريفة سقيت من النور الكريم بعد أن دخل في الذات الطاهرة وهي ذاته صلى الله عليه وسلم، فحصل له من الكمال ما لا يكيف ولا يطاق، لأن النور الكريم أخذ سر روحه الطاهرة وسر ذاته الطاهرة صلى الله عليه وسلم، بخلاف سائر الأمم فإنه النور في سقيها إنما أخذ سر الروح فقط، فلهذا كان المؤمنون من هذه الأمة الشريفة كملا وعدولا وسطا، وكانت هذه الأمة) خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (، ولله الحمد والشكر.
قال رضي الله عنه: وكذا سائر المخلوقات سقيت من النور الكريم، ولولا النور الكريم الذي فيها ما انتفع أحد منها بشيء.