الصفحة 598 من 761

حتى إني سمعته رضي الله عنه يقول: لولا الدم الذي في الذات واللحم والعروق المانع من معرفة حقائق الأمور، لم يتكلم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منذ وجدوا إلى أن ظهر نبينا صلى الله عليه وسلم إلا بأمر نبينا صلى الله عليه وسلم، فلا تكون إشارتهم إلا إليه، ولا تكون دلالتهم إلا عليه، حتى إنهم يصرحون لكل من تبعهم بأنهم إنما ربحوا منه، وأن مددهم جميعا إنما هو منه صلى الله عليه وسلم، وأنهم في الحقيقة نائبون عنه لا مستقلون، وأنهم بمنزلة أولاده صلى الله عليه وسلم، وهو بمنزلة الأب لهم، حتى يكون الخلق كلهم فيه سواء، ودعوة الجميع إليه صلى الله عليه وسلم واحدة. فإن هذا هو الكائن في نفس الأمر، والأمم الماضية بمجرد موتهم وانفصالهم عن هذه الدار يعلمونه يقينا، وفي الآخرة يظهر لهم عيانا، وعند دخول الجنة يقع الفصل بينهم وبين الجنة حيث تنكمش عنهم وتنقبض وتقول لهم: لا أعرفكم لستم من نور محمد صلى الله عليه وسلم، فيقع الفصل بأنهم وإن سبقوا عليه فهم ممتدون من أنبيائهم، وأنبياؤهم عليهم السلام ممتدون من النبي صلى الله عليه وسلم، فإذًا الجميع ممتد منه صلى الله عليه وسلم.

قال رضي الله عنه: لولا الدم وما سبق في الإرادة الأزلية لكان هذا الواقع في دار الدنيا.

فقلت: ولم منع هذا الدم من معرفة الحق؟

فقال رضي الله عنه: لأنه يجذب الذات إلى أصلها الترابي، ويميل بها إلى الأمور الفانية، فتتشوف للبناء والغرس ولجمع الأموال وغير ذلك، يميل بها إلى ذلك في كل لحظة وهو عين الغفلة والحجاب عنه تعالى، ولولا ذلك الدم لم تلتفت الذات إلى شيء من هذه الأمور الفانية أصلا.

قلت: ولا يخفى أن حجابيته تختلف، فهي كثيفة في حق العوام، ضعيفة في حق الخواص، وتقرب من الإنتفاء في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومنتفية رأسا في حق سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم، وقد سبق ما يدل على ذلك في الكتاب، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت