وسمعته رضي الله عنه مرة أخرى يقول في شرح (من منه انشقت الأسرار) : إن أسرار الأنبياء والأولياء وغيرهم كلها مأخوذة من سر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فإن له سرين: أحدهما في المشاهدة وهو موهوب، والآخر يحصل من هذا السر وهو مكسوب. فلنفرض المشاهدة بمثابة ثوب ما بقي صاحب حرفة من الحرف إلا وصنع فيه شيئا من صنعته، ولنفرض صاحب المشاهدة كشارب ذلك الثوب بأسره، فإذا شرب الخيط الذي صنعه الحرار مثلا أمده الله تعالى بمعرفة صناعة الحرير وكل ما تحتاج إليه في أمورها وشؤونها كلها، وإذا شرب الخيط الذي صنعه النساج مثلا أمده الله تعالى بصناعة النسج ومعرفة جميع ما تتوقف عليه، وهكذا حتى تأتي على سائر الصنائع والحرف التي نعرفها والتي لا نعرفها، فهكذا مشاهدته صلى الله عليه وسلم نفرضها مشتملة على جميع المعارف التي سبقت بها إرادته تعالى.
قلت: ووجه الشبه بينها وبين الثوب السابق تباين الأمور، ففي الثوب السابق تباينت فيه الصنائع والحرف، وفي المشاهدة الشريفة تباينت فيه الأسماء الحسنى وظهرت فيها أسرارها وأنوارها. ووجه آخر أن الصنائع المتباينة اجتمعت كلها في الثوب السابق، وكذا أنوار الأسماء الحسنى كلها اجتمعت في مشاهدته صلى الله عليه وسلم. ووجه آخر أن تلك الصنائع المتباينة بمعرفتها يقع التصرف في موضوعاتها، وكذا الأسماء الحسنى بالسقي بأنوارها يقع التصرف في هذا العالم. فوجه الشبه حينئذ مركب من مجموع هذه الأشياء الثلاثة، وهي تباين الأمور في شيء مع استيفائها وكون التصرف يضاف إليها، والله أعلم.
ثم قال رضي الله عنه: فتكون ذاته صلى الله عليه وسلم مشتملة على جميع ما يلزم في تلك المشاهدة، وممدودة بسائر أسرارها: من رحمة الخلق، ومحبتهم، والعفو عنهم، والصفح، والحلم، والدعاء لهم بخير لعل الله تعالى يقويهم على الإيمان بالله عز وجل.