الصفحة 585 من 761

قال: وجعل يعدد العوالم كلها عالما عالما حتى عد أنواعا كثيرة، وذكر عالم الجنة وجميع ما فيه، وعالم النيران وجميع ما فيه، ويأمرني أن أجمع ذلك بين عيني وأنا أجمعه وأقول فعلت. ثم قال: انظر إلى هذا الذي بين عينيك مجموعا وانظر إليه نظرة واحدة، واجتهد هل تقدر على استحضار الجميع في تلك النظرة الواحدة. ففعلت فلم أقدر، فقال لي: أنت لم تطق أن تشاهد هذه المخلوقات، وعجزت عن استحضارها في نظرك، فكيف مشاهدة الخالق سبحانه وتعالى؟

فعلمت الحق، وبكيت بدموع القلب على حرصي على شيء لا أطيقه.

قال رضي الله عنه: واستحضار هذه المخلوقات في نظر واحد لا يطيقه بشر، ولا يقدر عليه إنسان.

قال رضي الله عنه: وكذا من يرى النبي صلى الله عليه وسلم من أولياء الله تعالى في اليقظة، فإنه لا يراه حتى يرى هذه العوالم كلها ولكن لا بنظر واحد.

وقال لي رضي الله عنه في أول ما لقيته وتكلمت معه في الروح: إنه لا يحيط بها عاقل، ولا يعرف حقيقتها إلا إذا كوشف بالعوالم كلها قبل أن يعرفها، ومتى بقي عليه بعضها ولم يكاشف به ثم كوشف بالروح فإنه يفتتن.

قال رضي الله عنه: ولو جسلت مع أنجب عالم وجعل يسألني عن الروح وأنا أجيبه عن سؤالاته، فإنه تمر عليه أربع سنين ولا تنقطع اعتراضاته فيها لكثرة إشكالاتها وخفاء أمرها، والله أعلم.

وسمعته رضي الله عنه يضرب مثلا في كون العبد لا يطيق معرفة ربه سبحانه وتعالى على ما هو عليه في كبريائه وعظمته، فيقول: إن الآنية من الفخار لو أمدها الله تعالى بالإدراك، وسألها سائل عن صانعها المعلم الذي صنعها كيف هو، وكيف طوله، وكيف لونه، وكيف عقله، وكيف إدراكه، وكيف سمعه، وكيف بصره، وكم حياته في هذه الدار، وما هي الآلات التي صنعها بها، إلى غير ذلك من أوصاف المعلم صانعها الظاهرة والباطنة، فإنها لا تطيق معرفة ذلك، ولا تطيق ذاتها حمل تلك المعارف، ولا يطيق مصنوع أبدا معرفة صفات صانعه على ما هو عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت