قال رضي الله عنه: فجميع الأسماء حصلت بوضع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وسيدنا إدريس عليه السلام أول من وضع عليما وقويا وعظيما ومنانا، وهكذا كل نبي وضع شيئا منها، ولكنهم وضعوها بلغتهم، ومزية القرآن أنه جمعها كلها وأتى بها مع ذلك بلغة العرب لا بألسنة الأنبياء المتقدمين.
قال رضي الله عنه: وأول من وضع اسم الجلالة أبونا آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وذلك أن الله سبحانه وتعالى لما نفخ فيه الروح نهض مستوفزا، فقام على رجل واتكأ على ركبة الرجل الأخرى، فحصلت له في تلك الحالة مع ربه مشاهدة عظيمة، فأنطق الله لسانه بلفظ يؤدي الأسرار التي شاهدها من الذات العلية، فقال: الله تعالى، وقد خرج في علمه سبحانه وتعالى أنه يتسمى بهذه الأسماء الحسنى فلذا أجراها على لسان أنبيائه وأصفيائه.
قال رضي الله عنه: ولو وضع سيد الوجود صلى الله عليه وسلم للمعاني التي حصلت له من مشاهدته التي تطاق أسماء لذاب كل من سمعها، ولكنه سبحانه وتعالى لطيف بعباده، والله أعلم.
قلت: وإياك أن تظن أن هذا الكلام فيه مخالفة للعقيدة، وهي أن الأسماء الحسنى قديمة، فإن المراد بقدمها قدم معانيها لا ألفاظها الحادثة، لأن كل لفظ عرض وكل عرض فهو حادث، لا سيما إذا كان سيالا مثل الألفاظ والأصوات وذلك واضح، والله أعلم.
وسمعته رضي الله عنه يقول: إن في إسم الجلالة ثلاثة أسرار:
الأول: أن مخلوقاته تعالى لا حد لها وأنها مختلفة، فتنقسم إلى إنس وجن وحيوان وغير ذلك من الأنواع التي لا يعلمها أكثر الخلق، ومع هذه الكثرة فهو تعالى واحد في ملكه لا مدبر معه ولا وزير له، فهو وحده تعالى يتصرف فيها بجملتها، ولا يفوته منها شيء، ولا يخرج عن قدرته تعالى منها واحد، فهو قاهر للكل محيط به كما قال تعالى:) وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (.