وقال بعض السادات رضي الله عنه: ما هناك إلا فضله، ولا نعيش إلا في ستره، ولو كشف الغطاء لكشف عن أمر عظيم، فلذا تبرأ الأكابر من أعمالهم الصحيحة فضلا عن غيرها حتى قال أبو يزيد: لو صفت لي تهليلة واحدة ما باليت بعدها بشيء.
وقال أبو سليمان الداراني: ما استحسنت من نفسي عملا فاحتسبته.
قلت: هذا ما يتعلق بشرح الأبيات التي ذكرها صاحب الرائية في الشيخ المربي وآدابه وآداب المريد معه، وهي من أنفس ما يسمع، وينبغي للمريد أن يحفظ هذه القصيدة فإنها قصيدة منورة، فإن لم يمكنه حفظها كلها فليحفظ الأبيات المتعلقة بالشيخ المربي.
وصاحب الرائية هو الإمام أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن خلف القرشي التيمي البكري الصديقي، سلوي الأصل، ولد بسلا سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، ونشأ بمراكش، واستوطن الفيوم من مصر حرسها الله، وبها توفي في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وستمائة، ولقبه هناك تاج الدين، وكنيته أبو العباس.
كان رضي الله عنه وافر الحظ من علم البيان نحوا وأدبا، شاعرا محسنا، محققا لعلم الكلام، بارعا في أصول الفقه، متقدما في التصوف وإليه انقطع وعليه عول، وفيه صنف ونظم في مقاصده، وتدريج سلوكه قصيدته هذه التي سماها أنوار السرائر وسرائر الأنوار، وأخذها الناس عنه واشتهرت في الأقطار لإجادة نظمها وضبطها.
قال صاحب المد العينين: إن هذه القصيدة حجة عند أهل الطريقة، ولم يزل المشايخ رضي الله عنهم يحضون عليها ويوصون تلامذتهم بالعمل بها، ثم نقل عن الشيخ أبي عبد الله محمد الهزميري رضي الله عنه أنه كان كثيرا ما يحض عليها أصحابه وجميع تلامذته، شديد العناية بها، ويلتزم الخير للمداوم عليها. قال: وكان هو يديم الكلام عليها ويشرح بعض مقاماتها.