وقلت له ذات يوم: إني أخاف من الله تعالى من أمور فعلتها. فقال لي: ما هي؟ فذكرت له ما حصل. فقال لي رضي الله عنه: لا تخف من هذه الأشياء، ولكن أكبر الكبائر في حقك أن تمر عليك ساعة ولا أكون في خاطرك، فهذه هي المعصية التي تضرك في دينك ودنياك.
وقلت له مرة: يا سيدي إني بعيد من الخير. فقال رضي الله عنه: اطرح عنك هذا، وانظر إلى منزلتك عندي فعليها تحمل.
وكنا معه رضي الله عنه على حالة قلَّ أن يسمع بمثلها، لا ينزل أمر مهم أو غير مهم إلا ذكرناه له، فيتحمله عنا عيانا ويريح خاطرنا منه بمجرد ذكره له.
وكان رضي الله عنه يمازحنا ويضاحكنا ويزيل الحياء عنا، ويفاتحنا بالأمور قبل أن نسأله عنها ويقول لنا: لا تجعلوني في مقام الشيخ، إنما أنا لكم بمنزلة الأخ، ومقام الشيخ لا تطيقون القيام بآدابه، فأنا أسامحكم وأجعلكم في حل من ذلك، واجعلوني بمنزلة الأخ تدوم الصحبة بيننا وبينكم.
فالله يجازيه عنا أفضل الجزاء بمنه وكرمه.
ولو رمنا أن نشرح هذه النبذة التي أشرنا إليها من حال الشيخ رضي الله عنه لطال الحال، والله أعلم.
ثم قال:
وَلَا تَكُ مِمَّنْ يَحْسُنُ الْفِعْلُ عِنْدَهُ * فَيَفْسُدُ إِلَّا أَنْ يَفِرَّ إِلَى الْكَسْرِ
في هذا البيت تحذير من العجب الذي يضر بالعمل، أي: ولا تكن من الذين تحسن عندهم أعمالهم وتعجبهم فإنها تفسد بذلك، لأن العجب مفسد للأعمال.
وقوله: (أن يفر) بالياء من أسفل في بعض النسخ، وفي بعضها بالتاء من وفق، والمعنى ظاهر عليهما، أي: لكن إذا فررت من ذلك العجب والإستحسان إلى الرجوع إلى الله تعالى فإن فعلك لا يفسد، لأنك إذا رجعت إلى الله تعالى تجده هو المتصرف فيك والمجري ذلك عليك، وأنك وعاء من جملة الأوعية لا فرق بينك وبين غيرك، وترى نفسك فيما صدر منك من الإستحسان كمن يفتخر بفعل غيره، فتستبدل العجب بالحياء من الله تعالى والخوف من مقته والشكر له على جزيل نعمته.