لما نهى المريد عن التكبر على الخلق والإزدراء بهم، حذره من الإفراط في الجانب الآخر كي لا يجعلهم قبلة ويرائيهم في أفعاله وينظر إليهم في أحواله وأقواله، فقال: ولا تنظرن يوما أي لحظة من الزمان ووقتا من الأوقات إلى الخلق فتراعيهم في أحوالك وأفعالك وأقوالك وشؤونك كلها من عبادات وعادات، فإن النظر إليهم في ذلك والتقييد بهم يخلي الطليق الصافي من العلل والآفات في كدر أسر العلل والآفات، لأنك حيث نظرت إلى الخلق في أفعالك وأقوالك يدخل عليك الرياء والتصنع لهم والتزين لهم وتحسين مواضع نظرهم منك، ولذا قال الشيخ أبو عبد الله القرشي رضي الله عنه: من لم يقنع في أقواله وأفعاله بسمع الله ونظره دخل عليه الرياء لا محالة.
وقال بشر الحافي رضي الله عنه: ما أعرف رجلا أحب أن يعرف إلا افتضح. وقال أيضا: لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس.
وقال بعضهم: ولا تطمع في المنزلة عند الله وأنت تريد المنزلة عند الناس.
قال في العوارف: وهذا أصل ينفسد به كثير من الأعمال إذا أهمل، وينصلح به كثير من الأحوال إذا اعتبر.
وهذا الكلام هو أصل هذا البيت.
وكنت مع الشيخ رضي الله عنه ذات يوم بباب الحديد، فنظر إلي وقال: لا يطمع أحد في معرفة الله وهو لا يعرف الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يطمع أحد في معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو لا يعرف شيخه، ولا يطمع أحد في معرفة شيخه وهو لم يصل على الناس صلاته على الجنازة. فإذا خرج الناس من نظره وصار لا يبالي بهم في أقواله وأفعاله وشؤونه كلها، جاءته الرحمة من حيث لا يحتسب.
ويعجب الشيخ رضي الله عنه من لا يبالي بنظر الناس إليه، ويحكي لنا في هذا الباب أسرارا نفيسة، وفقنا الله لما يحبه ويرضاه بمنه وكرمه آمين، والله أعلم.
ثم قال:
وَإِنْ نَظَمَ الْحَقُّ الْكَرَامَاتِ أَسْطُرًا * فَلَا تُبْدِيَنْ حَرْفًا لِغَيْرِكَ مِنْ سَطْرِ