الصفحة 561 من 761

ووقعت حكاية غريبة من هذا المعنى سمعتها من الشيخ رضي الله عنه. وسمعته رضي الله عنه يقول: لقيت بمكة شرفها الله أبا الحسن علي الصدغاء الهندي، فوجدته على حالة غريبة، وذلك أنه إذا أراد أن يخطو خطوة يرفع رجله وترتعد في الهواء ثم يردها فترتعد، ثم يعيدها إلى ناحية الخطوة فترتعد، ولا يكمل الخطوة حتى يقول من رآه ما به إلا الجنون، ثم هكذا في كل خطوة. وكذا إذا رفع طعاما إلى فيه يقع له مثل ذلك، فيمد يده إلى ناحية فمه فترتعد، ثم يردها إلى ناحية فمه فترتعد، ولا يجعل اللقمة في فيه حتى يرحمه كل من يراه. وكذا يقع له مثل ذلك إذا أراد أن يضطجع. وبلغ به الحال إلى أن وقع له ذلك في كل حركة اختيارية منسوبة إليه، حتى وقع له ذلك في تغميض الجفن وفتحه. فلما رأيت منه ذلك أكربني وأحزنني غاية حتى رحمته، فقلت له: يا أبا الحسن ما هذه الحالة التي أنت عليها، وقد جعلك الله من أوليائه وخواص أصفيائه، ومن كبار العارفين به، ومن أهل الديوان، وذاتك سليمة صحيحة لا علة فيها؟ فقال: ما ذكرت هذا الذي حل بي لأحد سواكم، وسأذكره لكم، وهو أن الله تعالى وله الحمد أطلعني على مشاهدة فعله في مخلوقاته، فأنا أرى فعله ساريا في الخليقة عيانا لا يغيب علي منه بشيء. ثم أطلعني الله تبارك وتعالى وله الحمد بمحض فضله على أسرار فعله وقضائه وقدره في خليقته، فأنا أشاهد تلك الأفعال وأعلم لم كانت وأعلم أسرار القدر فيها بحيث لا يخفى علي شيء من تلك الأسرار. ثم نظرت إلى فعله في فوجدته قد حجبني عن مشاهدته ومشاهدة أسراره، فوقع في ظني أنه ما حجبني عن مشاهدته إلا لشر أراده بي، بأن يكون سخطه تعالى مقرونا بفعل من أفعالي، فحجبني عن الجميع حتى لا أعلم الذي يكون هلاكي به فأجتنبه. فلذا صرت خائفا من كل فعل اختياري منسوب لي، وأجوّز في كل فعل من أفعالي الإختيارية أن يكون هو سبب هلاكي، فما من فعل من أفعالي إلا وأنا خائف منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت