قال ابن العربي الحاتمي رضي الله عنه: ومن آدابهم مع الله تعالى وقليل فاعله، أن يعتقد الإنسان أن لله نظرات في كل زمان إلى قلوب عباده يمنحهم فيها من معارفه ولطائفه ما شاء. فإذا فارق شخصا ساعة واحدة وأعرض عنه نفسا واحدا وهو جالس معه ثم عاد إليه، فإنه يتهيأ للقائه بالخدمة والتعظيم، لعل نظرة من نظراته حصلت له أغنته. فإن كان الأمر كذلك، يعني بأن حصلت له نظرة من تلك النظرات فقد وفى معه الأدب؛ وإن لم يكن الأمر كذلك، يعني بأن لم يحصل له شيء من تلك النظرات، فقد تأدب مع الله تعالى حيث عامله بما تقتضيه المرتبة الإلهية، وهذا مقام عزيز قل أن ترى له ذائقا.
وكذلك أيضا إذا شاهدوا عاصيا في حال عصيانه، ثم زال عن تلك المعصية، فإنهم لا يعتقدون فيه الإصرار ويقولون: لعله تاب في سره، ولعله ممن لا تضره المعصية لإعتناء الباري به في عاقبة أمره.
ومن نظر نفسه خيرا من أحد من غير أن يعرف مرتبته ومرتبة ذلك الآخر بالغاية لا بالوقت، فهو جاهل بالله عز وجل، مخدوع لا خير فيه ولو أعطي من المعارف ما أعطي اهـ.
وقال أبو طالب المكي رضي الله عنه: ومن خوف العارفين علمهم بأن الله عز وجل يخوف عباده بمن شاء من عباده، الأعلين يجعلهم نكالا للأدنين، ويخوف العموم من خلقه بالتنكيل بعض الخصوص من عباده، حكمة له وحكما منه، فعند الخائفين في علمهم أن الله تعالى قد أخرج طائفة من الصالحين نكالا خوف بهم المؤمنين، ونكل بطائفة من الشهداء خوف بهم الصالحين، وأخرج جماعة من الصديقين خوف بهم الشهداء، والله أعلم بما وراء ذلك. فصار من أهل كل مقام عبرة لمن دونهم، وموعظة لمن فوقهم، وتخويف وتهديد لأصحابهم، وهذا داخل في وصف من أوصافه وهو ترك المبالاة بما ظهر من العلوم والأعمال، فلم يسكن عند ذلك أحد من أهل المقامات في مقام، ولا نظر أحد من أهل الأحوال إلى حال، ولا أمن من مكر الله عز وجل عالم به في كل الأحوال اهـ.