وقال الشيخ أبو الحسن علي بن عتيق بن مؤمن القرظي رحمه الله: رأيت الشيخ الفقيه أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن مقيد، وكان من الفقهاء العلماء، يوما وهو يمشي في يوم شات كثير المطر والطين، فاستقبله كلب يمشي على الطريق الذي كان يمشي عليه. قال: فرأيته قد لصق بالحائط وعمل للكلب طريقا ووقف ينتظره ليجوز، وحينئذ يمشي هو. فلما قرب منه الكلب رأيته قد ترك مكانه الذي كان فيه ونزل أسفل وترك الكلب يمشي فوقه. قال: فلما جازه الكلب وصلت إليه فوجدته عليه كآبة، فقلت: يا سيدي رأيتك الآن صنعت شيئا استغربته، كيف رميت نفسك في الطين وتركت الكلب يمشي في الموضع النقي؟ فقال لي: بعد أن عملت له طريقا تحتي تفكرت وقلت ترفعت عن الكلب وجعلت نفسي أرفع منه بل هو والله أرفع مني وأولى بالكرامة، لأني عصيت الله تعالى وأنا كثير الذنوب والكلب لا ذنب له، فنزلت له عن موضعي وتركته يمشي عليه، وأنا الآن أخاف المقت من الله إلا أن يعفو عني، لأني رفعت نفسي على من خير مني.
قال ذو النون رضي الله عنه: من أراد التواضع فليوجه نفسه إلى عظمة الله فإنها تذوب وتصغر، ومن نظر إلى عظمة الله تعالى وسلطانه ذهب عنه سلطان نفسه، لأن النفوس كلها صغيرة عند هيبته، فإذا حصل العبد على هذا المعنى من التواضع تواضع للخلق لا محالة، لرؤية نسبتهم إلى الحق تعالى. ولذلك قال في العوارف: ومتى لم يكن للصوفي حظ من التواضع الخاص على بساط القرب لا يتوفر حظه من التواضع للخلق اهـ. والله أعلم.
ثم قال:
فَإِنَّ خِتَامَ الْأَمْرِ عَنْكَ مُغَيَّبٌ * وَمَنْ لَيْسَ ذَا خُسْرٍ يَخَافُ مِنَ الْمَكْرِ
يعني أن الخاتمة مجهولة، وجهلها يقتضي ما سبق، وهو أنه لا يرى أحدا دونه، فإن كان الشخص ذا خسر فلا إشكال في خوفه، وإن كان ذا عمل صالح فإنه لا يأمن مكر الله.