وقوله: (ولا وكر إلا أن يطير عن الوكر) ، الوكر: هو عش الطائر الذي يأوي إليه، وأطلقه هنا على مجلس الشيخ الذي يأوي إليه المريدون.
والمعنى: وكما أنه لا سجادة لك مع حضور الشيخ فلا وكر لك معه، أي لا مجلس لك معه يجتمع عليك الناس فيه وتنصرف إليك فيه الوجوه، فإن في ذلك سوء أدب مع الشيخ وقطيعة وعقوقا، اللهم إلا أن تكون تربيتك كملت ووصل لك الفطام، وأذن لك الشيخ بالتربية والإستقلال وصرت إماما مربيا، فلا بأس بالمجلس حينئذ، لكن بعد الإنفصال عن الشيخ وفراقه لمحل آخر، وعنه كنى بقوله: (إلا أن يطير عن الوكر) ، أي إلا أن يكمل أمره ويطير عن شيخه ويستقل بنفسه كالفرخ الذي كملت تربيته وقدر على الطيران، فإنه يستقل بأمره ولا يحتاج إلى أبيه.
وقوله: (فلا قصد إلا السعي للخادم البر) ، أي لا غرض للخادم البر الصادق في الإرادة إلا السعي في حوائج الشيخ ومهماته.
قال في العوارف: ومن آدابهم الظاهرة أن المريد لا يبسط سجادته مع وجود الشيخ إلا لوقت الصلاة، فإن المريد من شأنه التبتل بالخدمة وفي السجادة إيماء إلى الإستراحة والتعزز.
ثم قال في موضع آخر بعد كلام: والخدمة شأن من دخل الرباط مبتدئا ولم يذق طعم المعاملة ولم ينتبه لنفائس الأحوال، فيؤمر بالخدمة لتكون عبادته خدمته، ويجذب بحسن الخدمة قلوب أهل الله تعالى إليه، فتشمله بركة ذلك، ويعين المشتغلين بالعبادة. إلى أن قال: والخدمة عند القوم من جملة العمل الصالح، وهي طريق من طرق المواجد تكسبهم الأوصاف الجميلة والأحوال الحسنة.
ثم قال:
وَمَا دُمْتَ لَمْ تُفْطَمْ فَلَا فَرَجِيَّةٌ * عَلَيْكَ وَلَا تُلْفَى عَلَيْهَا بِمُسْتَحْرِ
يقول والله أعلم: وما دمت أيها المريد لم تفطم عن رضاع التربية ولم تبلغ إلى درجة الإستقلال، فلا ينبغي لك لباس ما هو من زي الشيوخ كالفرجية، وهي لباس معروف عندهم. والمستحري هو الذي له جرأة على الشيء.