ثم القابلية لا تختص بما سبق بل كل ما سبق في القدر أن الذات تدركه وتصل إليه، فإن أمر القابلية يظهر فيه. فمن نظر إلى جماعة من الصبيان وسبق الواحد منهم أن يكون كاتبا، والآخر أن يكون حجاما، والآخر أن يكون شرطيا مثلا، فإن الأول يعرف كيف يشد القلم للكتابة ويحصل له ذلك بأدنى تنبيه، ولا يعرف كيف يشد الموسى للتخفيف، ولا كيف يعلق السكين ولو نبه عسى أن ينبه، والثاني يعرف كيف يشد الموسى ولا يعرف كيف يشد القلم ولا السكين، والثالث يعرف كيف يعلق السكين ولا يعرف كيف يشد القلم ولا الموسى، و"كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ". وكذا من غلب على فكره التجر في البز ونحوه، وأراد أبوه أن يقيمه في الفلاحة، فإنه لا يجيء منه خير، ولو أقامه أبوه في التجارة جاء منه ما يحب وما يريد. فخرج من هذا أن قابلية كل شيء مبنية على الفكر فيه، وكل واحد يعلم ما يجول فيه فكره، والله الموفق.
قلت: وقد سمعت من الشيخ رضي الله عنه أن امرأة من المتقدمين كان لها ابنان وبنت، ولما أرادت أن تموت قالت لهم: إن ابني فلانا يخرج من الصالحين، والآخر يخرج من الظالمين، والبنت سيكون لها مال كثير ودنيا عريضة. فقيل لها: أتعلمين الغيب؟ فقالت: ما أعلم الغيب، ولكني نظرت إلى الأول فرأيته شديد الخوف من الله تعالى، لا يظلم أحدا من الصبيان، وربه تعالى حاضر في قلبه دائما، فعلمت أنه سيصير إلى خير؛ ونظرت إلى الثاني فرأيته على العكس فعلمت أن مآله إلى شر؛ ونظرت إلى البنت وكانت صغيرة فوجدتها تصنع من الحرف العالية خلاخل وقلائد ودماليج وما يلبسه النساء ويتزين به، هذا شغلها دائما فعلمت أنها ستصير إلى دنيا كثيرة.