الصفحة 481 من 761

قلت: وأخبرني بعض الناس أنه كان يتيم وأدخلته أمه في صنعة الحرير، وكان يتعاناها وتثقل عليه كثيرا، حتى مر ذات يوم بقوم وهم يتعانون صنعة الجبس وتخريمه وتزويقه. قال: فنظرت إليهم فذهب عقلي معهم، فعطلت ذلك اليوم صنعة الحرير وخدمت معهم، فأسرعت جوارحي في الخدمة ونشط قلبي وكأني كنت في السجن وخرجت منه، وحصل لي تيسر عظيم في فهم صنعة الجبس، وما عدت إلى صنعة الحرير أبدا.

قلت: وهو اليوم رئيس القوم الذين يتعاطون صنعة الجبس.

و"كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ".

وأخبرني بعض الناس أنه كان له حمار ضعيف، وكان يسكن بإزاء قوم في البادية، وكان لهم يتيم صغير لا شغل له إلا الركوب على حماري، ولكن يركبه على صفة من يركب الخيل، فيجعل في رجله مهمازا من شوك، وللحمار لجاما من سعف الدوم، ويجعل في يده حربة من العيدان، ويظل يحرك في الحمار، وكلما طردناه عاد إليه إن غفلنا عنه، فلما كبر الطفل وبلغ رجع مع القواد الذين يسيرون الخيل للسلطان نصره الله.

و"كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ".

ونذكر هنا حكاية معلم الصبيان الذي اختبرهم بأن أعطاهم طيورا وأمر كل واحد بذبح طائره في الموضع الذي لا يراه أحد. فجاءوا وقد ذبحوا طيورهم إلا واحدا منهم يقال إنه هو أبو العباس السبتي رضي الله عنه، فإنه رجع إلى الشيخ بطائره فقال: في كل موضع أريد فيه ذبحه أجد الله معي. فعلم الشيخ رضي الله عنه أنه سيصير إلى مقام المعرفة، وأوصى عليه ولم يزل يلاحظه، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت