الصفحة 479 من 761

فأجاب رضي الله عنه: بأن القابلية يعرفها الشخص من نفسه، بأن ينظر إلى الغالب على فكره فهو الذي خلقت الذات له، ولا بد للذات أن تتبع ما الفكر فيه سواء أقيمت فيه من أول الأمر أو لا. فمن غلب على فكره محبة الله والميل إلى جنابه، واستحضار عظيم سطوته والخوف من جلاله وكبريائه، فذلك علامة إرادة الخير، سواء كانت ذاته مقامة في المخالفات أو في الموافقات، فإنها وإن أقيمت في المخالفات فسيرجع الله سبحانه بها إلى الخير والفلاح والرشد والنجاح.

ثم القابلية المذكورة كالرجلة والشجاعة تختلف بالقوة والضعف وتعلم مراتبها المختلفة. فمن نظر إلى جماعة من الصبيان وهم يلعبون علم مَنْ رجلته قوية، ومَنْ رجلته ضعيفة، ومَنْ رجلته متوسطة. فكذلك أهل القابلية يتفاوتون في حضور المعنى السابق، فمنهم من هو في الدرجة العالية بأن يكون هو الغالب عليه في سائر أوقاته، ومنهم من يأتيه في أقل أوقاته، ومنهم المتوسط.

وسر ذلك أن الفكر والخواطر التي في الباطن نور من أنوار العقل، يمد بها العقل الذات على وفق القدر وما سبق في القسمة. فإن أريد بالذات الخير ألقى العقل عليها الفكر فيه وفي أسبابه حتى تدركه، وإن أريد بالذات الشر ألقى العقل عليها الفكر فيه وفي أسبابه حتى تبلغ إليه وتناله. ثم الخير يتبع مراتب الفكر الثلاثة السابقة، والشر يتبع أيضا مراتب الفكر فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت